• Sunrise At: 6:26 AM
  • Sunset At: 5:51 PM

Sermon Details

3 سبتمبر 2015م

(جـ1) – جهاد أهل العناية

.

شارك الموضوع لمن تحب

***************************

الحمد لله الذي يهب بفضله عطاءه ووهبه ورضاه، ويؤهله لأن يكون محبوباً لحضرته عزَّ وجلَّ ولحبيب الله ومصطفاه، والصلاة والسلام على الإمام الأعظم، والطبيب الأكرم، والنور الأفخم، سيدنا محمد وآله وصجبه وسلم.
في الحقيقة نحاول بين الحين والآخر وقفة لتنبيه النفوس إلى بغيتها عند المليك القدوس عزَّ وجلَّ، خاصة مع كثرة مشاغل الحياة، وتزاحم الشواغل الكونية في النفس البشرية، وهذا يؤدي إلى شغل البصيرة بالكلية، ونسيانها على الأقل، أو عماها عن المهمة الأصلية التي من أجلها خلقنا الله عزَّ وجلَّ في الدنيا، وهي المعرفة البصيرية للذات العلية.
ومما يزيد في الجفاء، بل أهم عنصر يساعد على اقتلاع هذا الداء، وأن يكون الإنسان دائماً وأبداً مع الأولياء، ومصاحباً للأصفياء – أن يذكر أن الله عزَّ وجلَّ عندما ذكر سبب وقوع آدم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام في الخطيئة قال في شأنها: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) (115طه).
إذاً حتى لا يقع الإنسان في خطيئة البعد عن الله، والتوَلِّي عن طريق الصالحين من عباد الله، والانشغال بالأكوان والدنيا الدنية والشهوات عن النعم القلبية التي جهزها له الله؛ يحتاج إلى علاج هذين الأمرين.
فالنسيان يحتاج إلى المُذكر: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ) (21الغاشية)، والمذكر إما حبيب الله ومصطفاه صلَّى الله عليه وسلَّم أو من ينوب عن حضرته بإذن صريح وليس بإشارة من حضرته. والعزيمة تحتاج إلى من يقويها، وتقوية العزيمة لا تكون إلا بدوام المجالسة مع الأخيار، وتجنب مجالسة الأشرار، وتذكير النفس دوماً بما ورد عن السلف الصالح من السنن والآثار.
كلا الأمران غاب عنه كثير من الأحبة، فالصالحون لم يجعلوا الاجتماعات في مجالس دورية مرة أو مرتين أو أكثر في الأسبوع إلا من أجل هذه النعم؛ دوام التذكر، ودوام الاستحضار، ودوام العيش مع الأخيار والأبرار والأطهار، وفي هذه المجالس يحدث تذكر للسلف الصالح وما ورد عنهم من أخبار ومن آثار، فتُعَلِّي همَّة المرء، وتُعلِّق قلبه بحضرة النبي المختار صلَّى الله عليه وسلَّم، والأمر كما قال الله عزَّ وجلَّ: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) (الجاثية) نحن نُذكِّر فقط، وكل إنسان مسئول عن نفسه: (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) (القيامة).
طريق الصالحين طريق انتقاء واجتباء واصطفاء، وهذا الانتقاء والاجتباء والاصطفاء كان في الأزل القديم أولاً، خلق الله عزَّ وجلَّ أولاً أرواحاً وأَهَّلها لشهود جمال حضرته، وخلق الله عزَّ وجلَّ أرواحاً وجعل كل نصيبها من فضله عزَّ وجلَّ هي دخول جنته، وخلق الله عزَّ وجلَّ نفوساً ولم يجعل فيها أرواحاً، فجعل كل واحد منهم مشغول في الدنيا بشهوته وحظِّه، ولذا تجده دائماً واقعاً في حيرته، وقال هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي.
أما من اصطفاهم لنفسه عزَّ وجلَّ فلم يُشر إليهم في هذا المقام لأنهم أهل المقام العلي، المقربون الذين تحدث عنهم الله عزَّ وجلَّ في كتابه المكنون: (فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ. فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ) (88، 89الواقعة) ليس الجنة فقط، وفي القراءة الأخرى: (فَرَاحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ).
إذا كان من المقربين فقد أُهِّل لشُرب الراح من يد الحبيب المصطفى بغير قداح، وأُهِّل لشم نسيم الأصفياء، ورحيق الأتقياء، ونسمات الحق عزَّ وجلَّ التي يتجلى بها على كُمَّل الأولياء في ساعات الصفاء. والنعيم لهم في هذا المقام هو التنعم بمشاهد حضرته، أو بأسماء عزَّته، أو بوجه حبيب حضرته صلَّى الله عليه وسلَّم، وهذا نعيمهم الذي يبحثون عنه، نسأل الله عزَّ وجلَّ أن نكون منهم أجمعين. هؤلاء القوم علَّمهم الله من قبل: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ) – من هناك: (إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ) – هنا في الحياة الدنيا – (يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا) (107الإسراء)، أي سلَّموا، فالسجود هنا هو التسليم، لأنهم سمعوه في الأزل القديم.
وجعلهم الله عزَّ وجلَّ من أهل الشهود لجمال حضرته، وأَهَّلهم لسماع خطاب عظمته (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ) – ليس كلهم، ولكن انتقى منهم – (مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) – أهل الظهور في حضرة الديهور عزَّ وجلَّ: (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا) (172 الأعراف)، ليس سمعنا، ولكن: (شَهِدْنَا). ولو تدبرت في محكم الآية تجد سرَّ العناية، فالله عزَّ وجلَّ يقول: ((وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ)، ولم يقل على ربهم، ولذلك يكون المدار كله على النفس، “فمن عرف نفسه فقد عرف ربه” – (أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ)، والربُّ هنا مقام التربية، أي المُربِّي، (قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) (172الأعراف).
الصالحون منذ نزولهم إلى الدنيا وهم في شوق شديد إلى هذا الجمال الأزلي الأبدي الذي شاهدوه في هذا اليوم، يقول إمامنا أبو العزائم رَضِيَ الله عنه في ذلك:
من ألست لم ننس ما قد شهدنا
      من جمال الجميل إذ خاطبنا

لم ننس الجمال ولم ننس الخطاب، والنفس ما دامت في مقام الصفاء، والقلب في مقام النقاء؛ تحنُّ دوماً إلى هذه المشاهد العالية؛ مشاهد عالم الطهر والبهاء:
أبداً تحن نفوسنا
                                                         وحنينها دوماً لأول منزل

أول منزل كانت فيه، فتجد فيها حنين يدفعها إلى هذه المشاهد، وإلى هذه العناية، وهذه العناية التي ألمحنا إليها، فلم يختر أحدٌ منا هذا المشهد وهذا الجمال، لكن هذه عناية إلهية.
عناية إلهية، والنفس مجهزة لهذه المشاهد العلية، لكنها نزلت الدنيا الدنية، ووحلت في الكون وما فيه من العالم الكثيف، بعد أن كانت في عالم اللطف وفي حضرة اللطيف، ويزيد في كثافتها طلبات النفس التي لم تكن هناك، بل كانت هناك طلبات القلب والفؤاد والروح، وهؤلاء كل طلباتهم المعاينة والمشاهدة والمجالسة لحضرة الله عزَّ وجلَّ والمؤانسة والمسامرة، فالقلب والفؤاد والروح لا يطلبون طعاماً، ولكن جاءت النفس ففتحت الشهوات:

والنفس شهوة مطعم أو مشرب أو منكح
                                  أو ملبس فاحذر بها الداء الدفين

وهذه نفس من النفوس وهي النفس الشهوانية، وهناك النفس الإبليسية وهي التي تريد الجاه والسلطة والرياسة، وتريد الظهور في الدنيا ولو على حساب الآخرين، فهي نفوس، ولذلك عندما وضح الإمام أبو العزائم هذه الحقيقة قال:
جاهد نفوساً فيك بالشرع الأمين
                                              واحذر قوى الشيطان في القلب كمين

هذه النفوس وضحناها في كتابنا: (المجاهدة للصفاء والمشاهدة)، وفي كتابنا: (النفس وصفها وتزكيتها). لكن يبقى أن أهل الإصطفاء في الأزل القديم جعل الله عزَّ وجلَّ فيهم ولهم علامات؛ إذا ظهرت فيهم تعلم أنهم مؤهلون للرجوع إلى هذه الحيطات، وهذه التي يحرص عليها السالك.
العلامة الأولى: إذا رأى السالك أنه دائماً يتهم نفسه ولا ينصرها، وإذا اتهمه أحد كان معه على نفسه، ولم يكن مع نفسه عليه بأن يدافع عنها – يعلم أنه على خير، وأنه مؤهل لهذا المقام العالي.
العلامة الثانية: إذا كان العبد دائماً يشغله أمور نفسه عن النظر إلى غيره، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: (طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ) . لا يرى عيوب الناس ولكن مشغول بنفسه، والمشغول بنفسه لا ينشغل بغيره، بعض الأحباب يقول أنا رأيت فلاناً كان يرتدي كذا، فأقول له: هذا شيء أنا غير مشغول به، وما شأنك بهذا الأمر؟ الأفضل لك أن تنظر إلى ما بداخله، قال الله عزَّ وجلَّ لحضرة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) (4المدثر)، ليست الثياب الخارجية فقط، ولكن الأساس تطهير ثياب العبودية التي ينظر إليها ربُّ البرية عزَّ وجلَّ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ، وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ، وَأَعْمَالِكُمْ) . هل القلب يلبس حلة الصفاء، أم حلة الوفاء، أم حلة الزهد، أم حلة الورع، أم حلة المحبة؟ هذه هي ملابس التقوى: (وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ) (26الأعراف).
فالإنسان عندما يكون مهتماً بنفسه، ويريد أن يُصلح حاله مع ربِّه، فلن يكون عنده وقت لينظر في غيره، فإذا وَجَدْتَ العين تتحسس عيوب الآخرين فاعلم علم اليقين أنك مقطوع عن طريق السالكين، حتى ولو جلست معهم سنين!! لكنك لست معهم بفؤادك وقلبك، لأن المعية معية قلبية: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ) (29 الفتح)، ليس من كانوا حوله فقط، لكن الذين معه في حال الوصال، والذين تأهلوا معه للكمال من عصره إلى أن يرث الله عزَّ وجلَّ الأرض ومن عليها. فإذا وجد الإنسان نفسه مشغولاً بها عن النظر إلى غيره يعلم أنه على خير، وأنه مكتوب في حضرات الغيوب من أهل المواهب العلية عند علام الغيوب عزَّ وجلَّ.
العلامة الثالثة: إذا وجد الإنسان أنه دائماً يراقب نفسه ويحاسبها ويلومها ويعاتبها فليعلم أنه بدأ في نهج الصالحين، وفي طريق المقربين، لكن لو ترك نفسه على هواها ويتلمس لها الأعذار، ولا يحاسب نفسه حتى على الأوزار، فهذا ما له ولطريق الأخيار؟!. لكن لابد للإنسان أن يراقب نفسه: (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) (14القيامة)، يضع بصيرة على نفسه، فينتقدها دائماً، ويزن أحواله بأحوال السيد الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، والثُّلة المباركة الذين كانوا حوله، والصالحين أهل الفتح من بعده إلى يومنا هذا.
وإياك أن تزن نفسك بحال الهالكين، فبذلك تكون من البَطَّالين، لأن كثيراً من الناس يقول أنا أفضل من فلان، لأن فلان لا يُصلِّي وأنا أُصلِّي، وهذا ضياع، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: (انْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَكَ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكَ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرِيَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكَ) ، انظر دائماً إلى من أفضل منك في الدِّين، ولذلك يجب أن نصحب الصالحين حتى نطمح ونطمع، فالطمع المحمود في الوصول إلى هذه المقامات، والرُّقي إلى هذه الدرجات، غير الطمع المذموم في الدنيا الفانية، والتي سنتركها ونتخلى عنها ويقال لنا: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ) (94الأنعام).
العلامة الرابعة: إذا وجد في نفسه شغفاً دائماً، وحافزاً على الاتصال بالصالحين، وعلى مجالسة الأخيار والمقربين، ويجد في نفسه كذلك تقززاً وتأففاً إذا جالس الذين نهى عن مجالستهم ربُّ العالمين، وقال في شأنهم مرة: ( فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (68الأنعام) ومرة أخرى: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) (113هود)، نار البعد والعياذ بالله، فبمجالستهم تأتيك نار البعد عن الله عزَّ وجلَّ، ونار الغفلة عن كتاب الله عزَّ وجلَّ. فإذا رأى الإنسان نفسه يحب دوماً مجالسة الأخيار ويشتاق إليهم فهو على خير.
ونحن كنا نجد ذلك في شبابنا، فكان الواحد منا إذا أحس بالشوق إلى أخيه في الله، يذهب ويزوره ولو في بلدة أخرى، عكس شبابنا في هذه الأيام، فكل واحد اكتفى بنفسه في بيته، وحتى من هم في مدينة واحدة لا يزورون بعضهم.
قد يقول البعض: إنهم يجتمعون في ليلة أو أكثر كل أسبوع، لكننا كنا لا نجد ذلك كافياً، فكنا لا نفارق بعضاً إلا عند النوم، لأنك طالما كنت مع الأخيار فأنت محصن من الأشرار، ولو بعدت عن الأخيار فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصي، وبعد فترة تبعد عن طريق الله عزَّ وجلَّ، وعن طريق الصالحين الذين وفَّقهم الله، ولذلك قال لنا الله عزَّ وجلَّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ) (119التوبة). ابحث عنهم وجالسهم على الدوام. فلا تنام إلا على حديثهم، ولا تكسل عن زيارتهم لأنك تريد محبة الله، ومحبة الله عزَّ وجلَّ كيف نأخذها؟ كيف يحبني الله عزَّ وجلَّ؟
هناك طريق صعب قال الله عزَّ وجلَّ فيه: (وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ) . هذا الطريق صعب، وقد لا أقدر عليه، لكن هناك طريق آخر لنيل محبة الله، قال الله عزَّ وجلَّ فيه: (وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ) .
في الحديث الأول يقول الله عزَّ وجلَّ (حتى أحبَّه)، يعني قد يحبه الله أو لا يحبه، لكن في الحديث الآخر يقول الله عزَّ وجلَّ: (وَجَبَتْ مَحَبَّتِي)، أين هذا الطريق الآن؟! كثير من الناس تاه عنه هذا الطريق مع أنه الأسهل والأضمن، لأن النوافل قد تقبل أو تعلل، وإذا قُبلت قد تجد محبة الله أو لا تجدها، لكن مجالسة الأخيار يكون نتيجتها وجوب محبة الله عزَّ وجلَّ. فمجالسة الأخيار والصالحين والأبرار هي الأساس الذي يحفظ سلامة القلب والفؤاد، ويحفظ النفس من آفاتها حتى يبلغ العبد المراد، وهذا أساس لابد أن يكون في قلب العبد المراد. فكنا نحرص على هذه العلامات حتى كانوا يقولون لنا: من علامات الصالحين أنه يجد في نفسه كذا وكذا حتى قبل أن يقرأه في كتاب، فكنا نقرأ هذه الأشياء ونطبقها على أنفسنا لنرى هل هي فينا أم لا؟.
إذا وُجدت هذه العلامات في أحد فهو مؤهل لمقام الصفاء والاصطفاء، وإذا وُجدت الأهلية فيكون عنده قابل نوراني، قابل للأسرار، قابل للأنوار، وقابل لما يُفاض على ألسنة الأخيار والأطهار.
إذا وُجد القابل النوراني، ومعه الفيض الرباني من عَبْدٍ قال فيه الله: (آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) (65الكهف) تحقق المراد، لكن كيف؟ لابد من الجهاد، والناس في هذا الزمن يريدون الحصول على كل الأشياء العلوية والدنيوية بغير جهاد!! والله عزَّ وجلَّ ربط كل أحوال المتقين بالجهاد: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا) (9الشمس)، لابد من الجهاد: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (69العنكبوت)، (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ) (78الحج)، كل هذه من أنواع الجهاد لابد للمرء من سلوكها والأخذ بها.
فطريق الله عزَّ وجلَّ – باختصار – يحتاج إلى توبة نصوح في البداية، واستقامة، ثم تزكية للنفس حتى يعمل ويفعل بعد ذلك أعمال المقربين الذين يستخلصهم لذاته ربُّ العالمين عزَّ وجلَّ. ولا تأتي التوبة إلا من مراقبة النفس، فكل هفوة من هفواتها يحاسبها عليها، فيرتقي أولاً من النفس الأمارة إلى النفس اللوامة، فيكون هناك حساب للنفس، ولذلك ينتظر كثير من الأحبة الحساب من الآخرين، وهذا ليس طريقنا، فطريق الله أن تحاسب نفسك أولاً، يقول سيدنا عمر بن الخطاب رَضِيَ الله عنه: (حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ، وَإِنَّمَا يَخِفُّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا) . قد يساعدوك، لكن لابد أن تحاسب نفسك، فإن لم يكن عندك استعداد لمحاسبة نفسك وحاسبك أحد فإنك ستدافع عن نفسك، وتكون بذلك قد خدعت نفسك وضِعت من هذا الطريق، ولذلك لابد أن يكون عندك أولاً الباعث والدافع الحثيث على جهاد النفس ومتابعة النفس ومراقبتها، ويكون معك التوبة.
ولذلك فإن التوبة تصحب الإنسان السالك حتى خروج النَفَس الأخير، لأنه يحاسب نفسه أولاً على الذنوب، ثم يحاسب نفسه على العيوب، ثم يحاسب نفسه بعد ذلك بوزنه أعماله بأعمال المقربين، فيجد عمله لا ينفع، فيُحاسب نفسه، ثم يزن أعماله بحال سيد الأولين والآخرين فيُجدد التوبة إلى ربَّ العالمين عزَّ وجلَّ، لأن التوبة مع الإنسان لا تنتهي حتى ولو بلغ إلى أعلى مقامات الرضوان، ويحاسب نفسه حتى على الهفوات:
هفوة العارفين أكبر ذنب
                                        فابذل النفس تُمنحن رضواني

بعد التوبة لابد للإنسان أن يجدد العزم على الاستقامة، بأن يمتنع عن المعاصي والغفلة بالكلية ظاهراً وباطناً: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا) (16الجن)، (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) (30فصلت).
بعد الاستقامة يبدأ في جهاد النفس ويزكيها بالتزكية التي تؤهلها لمقام الولاية العظمى والإكرامات الكبرى من الله عزَّ وجلَّ، فيدخل على مملكة النفس ويتعرف عليها، ويتعرف على الجنود، والأوصاف التي ذمَّها الله عزَّ وجلَّ في النفس ليجتنبها، والأوصاف التي حبَّبَ الله عزَّ وجلَّ العبد في الاتصاف بها ليحاول أن يكتسبها، ولو وحل الإنسان في هذا المقام فإنه يحدث له نكبات لا عدَّ لها ولا حدَّ لها نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يجنبنا إياها أجمعين.
ما الصفات التي لا يريد للمرء أن يكون عليها؟ موجودة في القرآن، وموجودة في سُنَّة النبي العدنان صلَّى الله عليه وسلَّم:
(إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ) – الإنسان الذي تخلص من الظلم والجهل، لأن الإنسان كان قبل حمل الأمانة – (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (72الأحزاب)، فلابد للإنسان أن يتخلص من الظلم ومن الجهل، يتخلص من الظلم بأن يُدرِّب نفسه على العدل في كل أحواله حتى مع نفسه، فقد كان صلَّى الله عليه وسلَّم يعدل في كل أحواله حتى في مضع الطعام، مرة على الناحية اليمنى ومرة على الناحية اليسرى.
ويتخلص من الجهل، لأن الشيطان لا يدخل للإنسان إلا من جهله، فكل شيء علمته فإن الشيطان يبتعد عنه لأنه لا يستطيع أن يدسَّ أنفه فيه، لأنك تعلم حقيقة هذا الأمر، لذلك لابد من العلم.
– وأيضاً كان الإنسان قبل حمل الأمانة: (وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) (54الكهف)، فلابد من التخلص من الجدال، حتى ولو بالحق، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: (أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ، وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا) . لا شأن لك بالجدال، لماذا؟ قال صلَّى الله عليه وسلَّم: (مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ) .
(وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً) (11الإسراء)، كان الإنسان قبل حمل الأمانة عنده عجلة وتسرع، ولذلك لابد أن يكون حليم: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ) (114التوبة)، حليم في كل تصرفاته، وفي كل أحواله، وفي كل أفعاله.
(وَكَانَ الإنسَانُ قَتُورًا) (الإسراء)، أي ممسكاً، فعلى الإنسان أن يجمع الصفات الذميمة التي نوَّه الله عزَّ وجلَّ عنها، وبيَّنها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ويتخلص منها.
فالأوصاف الذميمة للنفس: الجهل، والغضب، والحقد، والحسد، والبخل، والتعاظم، والكبر، والعجب، والغرور، والرياء، وحب الجاه والرئاسة، وكثرة الكلام، والمزاح، والتزين للخلق، والتفاخر، والأمل، وتتبع العورات، والتهاجي، والتقاطع، والضحك، والحرص، وسوء الخلق.
أما الصفات الحميدة للنفس: الحلم، العلم، وصفاء الباطن، والإكرام، والتذلل، والرفق، والتواضع، والصبر، والشكر، والزهد والتوكل، والمحبة، والشوق، والحياء، والرضا، والإخلاص، والصدق، والمراقبة، والمحاسبة والتفكر، والشفقة، والرحمة على الخلق، والحب في الله، والتأني في الأمور، والبكاء، والحزن، وحب الخمول، وحب العزلة، وسلامة الصدر، والنصح وقلة الكلام، والخشوع والخضوع، وإنكسار القلب، وحسن الخلق.
إذاً هناك صفات ذمَّها الله يجبب أن تتخلص منها، وهناك صفات يحبها الله يجب أن تتجمل بها، وهذا يحتاج إلى جهاد مع العزيمة. فإذا تركنا هذا الجهاد فسيحدث ما نراه الآن في الدنيا كلها، يمرض الإنسان، ومعظم الأمراض الجسمانية الموجودة في مجتمعنا وفي كل المجتمعات سببها الأساسي النفس، عدم الإتزان النفسي، والإتزان النفسي لا يأتي إلا إذا تركنا الأوصاف الذميمة للنفس، وتجملنا بالأوصاف الحميدة.
عدم التخلق بهذه الأخلاق الكريمة يدل على أن إيمان الإنسان ضعيف، لأنه ترك نفسه على هواها، والإيمان الضعيف – ويقول ذلك الأوربيون والأمريكان – هو السبب الأول لقلة المناعة في جسم الإنسان، متى تقوى المناعة في جسم الإنسان وتقيه حتى من الأمراض الظاهرة؟ إذا قَوِي الإيمان. وحتى يُزود الله عزَّ وجلَّ عندنا طاقة الإيمان فرض علينا الفرائض وجعلها بانتظام حتى تعطيك شحنات إيمانية ربانية تجعل هناك توازن في ثنائية الإنسان، لأن الإنسان ثنائي، ظاهر وباطن.
إذا ترك الإنسان الطاعات التي فرضها عليه الرحمن يقوى في داخله عوامل الإحباط والقنوط واليأس، وكل هذه مسببات للقضاء على المناعة الظاهرة والباطنة، وبسبب ضعف المناعة الظاهرة يكون عرضة للأمراض، وبسبب ضعف المناعة الباطنة لا يستطيع أن يواجه ما يتعرض له من صعاب أو أقدار، لأنه ضعيف.
كل هذا سببه الأساسي أن الإنسان لم يقوِّم الأخلاق والأوصاف الذميمة التي تتعلق بها النفس وتريدها، ونتيجة ذلك فسيكون الإنسان بعيد عن حضرة الله عزَّ وجلَّ، والبعيد عن حضرة الله حكم عليه الله في كتاب الله أن يتخبط في الأرض حيران، وكما قيل: ((لا من كثير يشبع، ولا من قليل يقنع)): (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) (36الزخرف) شيطان الوسوسة بداخلة، أي هواجس النفس، فيعيش كأنه في جحيم البعد عن حضرة الله عزَّ وجلَّ.
سيقع – والعياذ بالله عزَّ وجلَّ – ويتقمص ثياب المنافقين، وكيف يكون من المقربين ولم يتخلص من أوصاف المنافقين؟!! سيكذب، وسيخلف الوعد، ويفجر في الخصومة، كيف يريد هذا أن يكون من المقربين ولم يتخلص من أوصاف المنافقين؟!!. كل هذه الأوصاف الذميمة لابد للإنسان حتى لا يقع في هذه الأعراض يديم مراقبة نفسه حتى يعالجها، ويحاول أن ينهض بها كما أمر الله عزَّ وجلَّ، ووجَّه حبيب الله ومصطفاه صلَّى الله عليه وسلَّم.
وحتى يستطيع الإنسان أن يتصف بالأخلاق الحميدة والأوصاف الطاهرة للنفس عليه أولاً أن يدرِّب نفسه على الإخلاص لله، فلا يعمل عملاً إلا ويحاسب نفسه بدقة أن هذا العمل لله، فإذا وجد فيه شائبة – من: رياء، أو عُجب، أو للخلق – فيمتنع عن العمل، وهذا بداية السلوك الصحيح للصادقين مع الله. أي عمل حتى لو كان أكل أو شرب أو لهو أو لعب، لابد للإنسان أن يُدرِّب نفسه في هذا الأمر، على إخلاص العمل لله عزَّ وجلَّ، ثم لابد أن يلتزم بالطريق الروحي الذي ينتمي إليه، فلا يكون الطريق التزام شكلي، ولكن التزام روحي.
العالم الغربي – وخاصة في أمريكا الآن – مقبلون على سلوك طريق التصوف، لماذا؟ لأن الصوفية الذين فقهوا التصوف وطبقوه على الحياة العصرية على ضوء هذا الشكل، فهناك الآن مراكز في نيويورك وواشنطن وكل أمريكا للعلاج من الأمراض، هذا العلاج على أساس التوافق الروحي، بالتخلص من الأوصاف الذميمة للنفس، والتحلي بالأوصاف الحميدة للنفس، وهذا هو الطب الرباني الذي يُحصن الإنسان، ويجعله في صحة نورانية وروحانية على الدوام.
وهذا هو الباب الرئيسي للدخول في الإسلام في هذه البلاد الآن، ليس بالخُطب ولا بالكُتب، ولكن آلاف مؤلفة يذهبون إلى هذه المصحات الروحانية يريدون أن يحسوا بالتوافق النفسي والصحة الروحانية، فيجدونها في الأوراد والأذكار والسنن، والفروض التي جاءت بها الشريعة الإلهية، وفسرتها السُنَّة النبوية، والتي التزم بها العارفون فوصلوا إلى هذه الكمالات، وكمثال على ذلك يقول الشيخ ابن عطاء الله السكندري رَضِيَ الله عنه: ((أصل كل معصية وغفلة وبعد عن الله هو الرضا عن النفس)). فلو جاهد الإنسان نفسه في هذا الأمر، وأصبح يراقب نفسه، ويحاسب نفسه، ويعاتب نفسه، فستنصلح كل أموره الظاهرة والباطنة، ويبدأ بعد ذلك جهاد النفس على مبدأ العارفين والصالحين.
وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ندوة دينية بعد صلاة العشاء بمقر الجمعية العامة للدعوة الى الله بحدائق المعادى القاهرة الخميس الموافق 20من ذى القعدة 1436هـ – 9/3 /2015م

Fawzyabuzeid - Copyright 2023. Designed by Fawzyabuzeid