السؤال الأول: نرجوا من سيادتكم توضيح قوله تعالى: (لَقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ الله آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ) (27الفتح).
——————-
هذه الآيات نزلت في صُلح الحديبية، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان قد رأى في رؤيا منامية أنه ذهب هو وصحبه إلى البيت الحرام لأداء عمرة وطافوا به وسعوا بين الصفا والمروة. فقصَّ الرؤيا على أصحابه وطلب منهم أن يتجهزوا لزيارة البيت الحرام، وخرج صلى الله عليه وسلَّم ومعه ألف وأربعمائة من أصحابه الكرام.
وفي هذا الوقت كانت هناك عداوة مستحكمة بينه وبين أهل مكة (قريش)، فلما رأوه – مع أنه كان لابساً ملابس الإحرام وصحبه كذلك لابسين ملابس الإحرام – خرجوا ومنعوه من دخول مكة، وتدخل أُناسٌ من أهل مكة وأُناسٌ من أهل الخير واتفقوا على عمل صُلح أسموه صلح الحديبية باسم المكان الذي تم فيه الصُّلح. وكانت بنود الصُلح:
البند الأول: أن يرجع الرسول في هذا العام ولا يدخل مكة – لأن الكفار أصرُّوا على رأيهم – وأن يدخل في العام التالى ويتركوا لهم مكة لمدة ثلاثة أيام.
البند الثاني: أن من تخلَّى عن الإسلام ورجع إلى مكة من أهل مكة لا يردوه إلى النبي، ومن أسلم من أهل مكة وذهب إلى النبي يرده إلى أهل مكة.
وهذا كان الشرط الجائر الذي اعترض عليه بعض أصحاب النبي.
الشرط الثالث: من أراد أن يدخل في تحالف مع النبي من القبائل العربية فله ذلك، ومن أراد أن يدخل في تحالف مع القبائل العربية فله ذلك.
الشرط الرابع والأخير: أن تكون هدنة يتوقف فيها القتال بين الفريقين لمدة عشر سنوات.
بعض أصحاب حضرة النبي ومنهم سيدنا عمر بن الخطاب غضب وراح يكلم سيدنا أبي بكر أولاً فقال: ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال: بلى، قال: فلِمَ لم ندخل البيت؟ مع أن النبي رأى الرؤيا، ورؤيا الأنبياء حقٌّ، قال: هل أخبرك أنه داخل هذا العام؟ قال: لا ، قال: الموضوع بسيط.
تركه وذهب إلى حضرة النبي وقال: يا رسول الله أنت قصصت علينا أنك دخلت البيت الحرام ونحن معك، وهؤلاء القوم ردُّونا عن ذلك، قال: يا عمر هل قلت لكم: هذا العام؟ قال: لا، قال: (سندخل إن شاء الله رب العالمين هذا البيت).
هذه الآيات نزلت في صُلح الحديبية: (لَقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ) – ستدخلون إن شاء الله – (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ الله آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا) – يعني هناك حكمة إلهية في هذا الأمر، وهذا الكلام فيه فَتْحٌ – (فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا) (27الفتح).
***************
السؤال الثاني: هل تجوز صلاة الجنازة على المتوفى مرتين في مسجدين مختلفين؟
الصلاة الثانية التي نسميها صلاة الغائب، فصلاة الجنازة على الميت مرتين، يعني مثلاً واحد توفى هنا وهو من قرية ونصلي عليه هنا، ونذهب لأهله في القرية فيصلون عليه مرةً ثانية فليس فيها شئٌ، والدليل:
أن سيدنا رسول الله صلَّى على شهداء أُحد، فوضعوا سيدنا حمزة عمَّه ومعه مجموعة من الشهداء ويصلون عليهم وسيدنا الحمزة معهم، ثم يأتون بمجموعة أخرى معه ويصلون عليهم وهو كما هو في مكانه، فصلَّى على سيدنا الحمزة مع جميع الشهداء وتكررت هذه الصلاة مراراً من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
إذا أردتُ أن أُصلي عليه صلاة الغائب فسيدنا رسول الله فعل ذلك: (كانت هناك امرأة تخدم المسجد، فغابت فسأل عنها، فقالوا: لقد ماتت ودفناها، فقال صلى الله عليه وسلَّم: (ولم لم تؤذنوني؟) – أى لماذا لم تعرفوني؟ – دلوني على قبرها، فذهب هناك ووقف عند قبرها وصلَّى عليها)[1]. وهي ما نسميها صلاة الغائب.
يعني مثلاً: لو مات أحدٌ في السعودية ونعرفه ويعرفنا وهو له حقٌ علينا ويصلون عليه هناك، فما المانع من أن نصلي عليه هنا أيضاً صلاة الغائب؟، وهذا لا مانع فيه أبداً وأقرتها الشريعة الإسلامية وفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلَّم بذاته.
ورسول الله صلى الله عليه وسلَّم عندما انتقل إلى الرفيق الأعلى وضعوه في الروضة التي فيها الآن، ولا يصلح لأحدٍ من المسلمين أن يؤم المسلمين في وجود حضرته، فكيف يصلون عليه؟!!، صلوا عليه جماعاتٍ جماعات، تدخل جماعة فيصلون عليه ثم يخرجون، ثم تدخل الأخرى فيصلون عليه ثم يخرجون، فصلوا على رسول الله بهذه الكيفية، لأنه لا يجوز إماماً في وجود الإمام الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم.
فالميت نصلي عليه هنا، ونصلي عليه في البلد فلا شئ فيها أبداً ولا مانع من ذلك، فنصلي عليه هنا ونصلي عليه في المقابر لو وُجد مسجدٌ هناك فلا مانع أبداً من ذلك. فلا يوجد مانعٍ في شرع الله من تكرار الجنازة أبداً.
فلو صلينا عليه هنا في المسجد، وحضر جماعة أخرى ويريدون أن يصلوا عليه لينالوا الثواب فلا مانع أن نفسح لهم المجال ليصلوا عليه، فلا مانع من هذا أبداً، وكل ذلك واسعٌ في شرع الله عزَّ وجلَّ.
السؤال الثالث: ما حُكم الدين في مقاطعة اللحوم؟
وكيف نواجه جشع التجار؟
——————–
هذه التجربة التي نعملها الآن حصلت أيام سيدنا عمر بن الخطاب وهو أول من قام بهذه التجربة، قالوا: يا أمير المؤمنين غلا اللحم، قال: أرخصوه، قالوا: كيف نرخِّصه؟ قال: لا تأكلوه – يعني لا تشتروا اللحم وقاطعوا اللحم يرخص اللحم، فأول من قام بهذه التجربة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وليس نحن أول من يفعلها.
وهذا الكلام ينطبق على أى سلعة تغلو وتزيد عن الحد ويستغلها التجار، وهؤلاء الذين حضرة النبي قال فيهم: (يا معشر التجار يا معشر الفجار)[2]، وهم من يستغل حاجة المسلمين، فيجب على المسلمين أن يقاطعوها إلى أن تنزل الأسعار وتكون في متناول الجميع.
بل إن سيدنا عمر عندما حدث في عهده في عام أسموه عام المجاعة ولم يكن هناك مطرٌ في الجزيرة العربية كلها، والأرض أسودت من عدم وجود الزرع الأخضر، والزرع هلك والحيوانات هلكت، فماذا يفعل؟ أرسل إلى عمرو بن العاص هنا في مصر وقال: يا عمرو أرسل إلينا غيثاً أوله عندنا وآخره عندك – يعني أغثنا من الكرب الذي حلَّ بنا.
فكان يصنع مع طباخيه الموائد من اللحم فيطعم بها فقراء المسلمين، وامتنع هو عن أكل اللحم وعن السمن وقال: لا أذوق اللحم، ولا أتذوق السمن حتى يشبع فقراء المسلمين، وماذا كان يأكل؟ ستتعجبون!! – كانوا يأتون له بالزيت ويغمس في الزيت ليأكل، فنحل وجهه واصفر وظهر عليه الضعف، فطلبوا منه أن يأكل مع فقراء المسلمين، فيقول لهم: (لا أتذوَّق اللحم ولا أتذوَّق السمن حتى يأكل فقراء المسلمين) ، فهؤلاء هم الحكماء العادلين الذين كانوا متعلمين من سيد الأولين والآخرين صلَّى الله عليه وسلَّم.
ولذلك كان من ضمن هذه القضية: الأضحية، فالأضحية سُنَّة للمستطيع وأفعلها ولو مرة في العمر، فإذا وجدتُ سعر الأضاحي هذا العام قد غلا فلا أُضحِّي هذه السنة لأ نها ليست فريضة، حتى لا أُشجِّع هؤلاء الفجار على التحكم في المسلمين بسبب هذه الشعيرة المباركة، لابد أن نعلمهم أنهم يرفقوا ويشعروا بمرارة الحاجة، فإذا لم يرتدعوا تعلمهم مرةً أخرى إلى أن يوجد ربنا طائفة مؤمنة تراقب أحوال المؤمنين وتشفق وتعطف على المؤمنين. ولا أنساق لهذا وأقول: أنني أُضحي كل سنة وكيف لا أضِّحي هذا العام؟ ومثلاً في العام الماضي كان ثمن الأضحية ألفين جنيهاً وثمنها هذا العام خمسة آلاف جنيهاً وليس معي هذا المبلغ، فهل أقترض لأُضحي؟ لا ـ لا يجوز القرض وأستغني عن شئٍ ضروري في بيتي لأُضحي؟
الأضحية شرطها تكون زائدة عن طلبات البيت الضرورية كلها، ولا أمد يدي لأحد ولا يكون هناك استغلال.
فالمؤمن مُطالب بمنع الإسغلال في أى زمانٍ وفي أى سلعة وفي أى مكان، سواء اللحم أو غيره إن شاء الله.
*****************
السؤال الرابع: ما حكم الدِّين في قول المؤذن: الصلاة خيرٌ من الفيس بوك؟
———————–
لا أريد الكلام الذي لا يفيد، فالآذان واضح ونزل على رجلٍ من المسلمين وهو سيدنا عبد الله بن زيد وأخبر الرسول وأقرَّه الرسول، وما أقره الرسول أصبح ألفاظ الآذان مقدسة فلا نزيد فيه ولا ننقص منه، فألفاظ الآذان كم لفظ؟
الأئمة عدُّوها – فالإمام الشافعي عدَّها فوجدها خمسة عشر لفظاً. والإمام مالك قال: ثلاثة عشر، لماذا؟ لأن الإمام مالك عنده لفظ (الله أكبر) مرةً واحدة، لكن الإمام الشافعي يكررها مرتين، وهذا الفرق بين الإثنين. ولذلك إذا ذهبت لبلاد الصعيد تجدهم مالكية والآذان يقولون فيه: (الله أكبر) مرةً واحدة بمدِّ كلمة الله.
سيدنا بلال في يوم من الأيام وجد أن معظم الصحابة كانوا في غزوة ومعظمهم كان تعبان ونائمين، فأضاف: (الصلاة خيرٌ من النوم)، سمعها رسول الله وأقرَّها. فألفاظ الآذان لا نزيد فيها ولا ننقص عمَّا أتي به رسول الله.
وأنا لا أُحب ما تشنِّع به الفضائيات بالأمور التي ليست من الإسلام في شئ، أحد المؤذنين في بلد في كفر الدوار في محافظة البحيرة إستخَّف بنفسه ورأى الشباب يجلسون على الفيس بوك ولا يصلون ولا ينامون فبدل من أن يقول: الصلاة خيرٌ من النوم، قال: الصلاة خيرٌ من الفيس بوك. وهذا أخطأ خطأً شنيعاً، والمشكلة هنا أن وسائل الإعلام جعلتها مادة ليتكلموا فيها ويتندروا فيها وهذا مانُهى عنه في الإسلام. فينبغي أننا لا نأخذ الحوادث الفردية ونلوكها بألستنا ونترك الموضوعات الأصلية الأساسية التي تهم المسلمين. فهذا خارج عن ألفاظ الآذان ومخالف لما ورد عن شريعة النبي العدنان صلى الله عليه وسلَّم.
*******************
سؤال عارض: وآذان الشيعة والتغيير في ألفاظه؟
—————–
آذان الشيعة لا يتبعنا وهذا أيضاً من التغيير والتبديل. فقد اتفقنا جماعة المسلمين وعلى ما أجمع عليه المسلمون، فكون أن بعض الشيعة بعد أن شهدوا أن محمداً رسول الله يقولون: وأن عليًّا وليُّ الله؟، وبعد حيَّ على الصلاة وحيَّ على الفلاح يقولون: حيَّ على خير العمل، فهذه أشياء نختلف على الشيعة فيها، ونحن على منهج ما أجمع عليه المسلمون.
والشيعة نقول لهم: أن عندكم بعض الأشياء لو أصلحتموها فنحن أُخوة، لأنهم مسلمون ونحن مسلمون، ونبيُّنا ونبيُّهم واحد، وكتابنا وكتابهم واحد، ولكنهم غيَّروا بعض الأشياء، فنقول لهم: أعيدوها كما كانت ونكون معاً في سفينة واحدة، وهي سفينة الإسلام.
وكل الفُرقة بين المسلمين الآن سببها أن كل واحد برأيه يغيِّر في شرع الله، وهي المصيبة التي حلَّت بالمسلمين في هذا الزمان، ويتمسك برأي الشيخ فلان، أفلا يترك رأى الشيخ فلان وتكون مع رأى رسول الله؟!!.
ويقول: الشيخ فلان قال كذا، ورأيه هو رأي الدين، وهي المصيبة التي حلَّت بالمسلمين في هذا العصر، فلو تركنا رأي المشايخ ورجعنا إلى الأصول فلن نجد خلافاً بين أى جماعة وأخرى من جماعات المسلمين. والذي أوجد الخلافات آراء المشايخ، وآراء المشايخ كلها تجدها من باب الإجتهاد، وعندنا قاعدة الإجتهاد تقول: [لا اجتهاد مع النَّص]. ما دام يوجد نصٌ واردٌ في القضية فلا يصِّح لي ولا لغيري الإجتهاد في هذه القضية إن شاء الله تعالى.
*********************
السؤال الخامس: كيف أكون صاحب إرادة وعزيمة قوية وأُحدد أهدافي، فأنا شابٌ أبدأ في عملي ولكني لا أكمله حتى نهايته ويُلحقني كسلٌ واللامبالاة؟
————————-
المؤمن يتعامل مع الله، وإذا تعامل مع الله إنصلحت كل أحواله، وإذا نسي التعامل مع الله وبدأ التعامل مع خلق الله يبدأ يتغير، فيُتقن الصلاة لأن فلان يراه، فإذا لم يكن يراه سيتعجَّل فيها. وسيعمل هذا العمل لأن فلان يراه، أو يبتعد عن المعاصي خوفاً أن يراه أحدٌ من الناس – لا، تعامل المؤمن مع الله وهو أساس حياة المؤمن: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) (5الحديد).
ما دمت أنا مع الله فأنا على يقين وعلى ثقة أن الله سيعطيني كل ما أتمناه مادام لا أخالف شرع الله، لأن الله يقول: (وَمَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) (2، 3الطلاق).
ولكنه يحتاج إلى الصبر الجميل، لأنني لا أعلم الخير أين يكون؟!!، فإذا صدق الإنسان، وأحسن التوكل على الله فيجد كل أموره تُيسَّر إن شاء الله.
سيدنا داود عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة وأتم السلام، كان مَلِكاً، وكان مشغولاً بعبادة الله، فلما وجد الأمور هكذا ـ والأنبياء يعلموننا النظام ـ فنظَّم الأمور فجعل يوماً لطاعة الله، ويوماً للحكم بين الرعية، ويوماً لمصالحه – لبيته وأولاده. فاليوم الذي كان يعبد الله فيه كان يدخل ويُغلق على نفسه ولا يدخل عليه أحدٌ، ويُخلص في مناجاة الله.
ومن شدة إخلاصه، بعض الملائكة أُعجبوا به فنزلوا وكشفوا أنفسهم له وصاحبوه وبدأوا الكلام معه، وكان عنده شفافية فبدأ يتكلم معهم فعن ماذا يسألهم؟!!، سألهم عن عيبه، فقال لهم: هل فيَّ عيبٌ؟ يريد أن يصلح من نفسه، مع أنه وصل للدرجة العُظمى وهي النبوة والملك ـ فقالوا: لا ليس فيك إلا عيبٌ واحدٌ وهو أنك تأكل من بيت مال المسلمين.
وماذا يفعل؟!!، يجب أن يكون لك عملٌ بيدك لتأكل منه، فبدأ وصدق وتوجَّه إلى الله، فعلى الفور ألهمه الله عزَّ وجلَّ بصناعة الدروع، وهو عبارة عن قطعة حديدية صدرية تواجه الصدر وتثبَّت بخيطين في الخلف وتقي المحارب ضربات الأعداء في الحرب. وصناعة تحتاج إلى فرن حراري أو على الأقل كور من كور الحداد لكي تليِّن الحديد، ولكن الله – لصدقِه: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) (10سبأ). عندما يمسك الحديد يلين في يده!!.
وعرفنا ربنا العبرة من هذه القصة: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله) (159آل عمران). فلو صدقت العزم في التوكل على الله سيحقق لك ما تريده، ولذلك يأتيني شابٌ ويقول لي: أنا لا أجد عملاً، فأقول له: أنت عزيمتك غير قوية، فاصدق العزم مع الله. أو يقول آخر: أريد أن أسافر للخارج ولا أجد طريقاً لها، فأنت عزيمتك فاترة وضعيفة وواهنة.
فلو صدقت العزيمة ستجد الحل فوراً، وإذا صدق الإنسان في توكله على الله، وكان عنده يقينٌ في الله فلن يستعصي عليه شئٌ أبداً: (وَمَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) (2الطلاق)، إن كان في الرزق، أو في العلاج، أو في العلم، أو في الزوجة، أو في أى بندٍ من البنود، ويأتيه من سكة لم يحسبها ولم تخطر بباله، ولم يعتقد أن يأتيه شئٌ من هذا المكان نهائياً، لماذا؟ لأنه أحسن الثقة في الله، وأحسن التوكل على مولاه عزَّ وجلَّ.
وهذا ما يحتاجه شبابنا في هذا العصر لنفكَّ كل أزماتهم إن شاء الله رب العالمين. والحديث: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)[3].
*****************
السؤال السادس: هل لابد من الأضحية كل عام؟
————–
الأضحية سُنَّة للمتيسر مرة في العمر، وإذا جدَّدها فيزيد في الأجر والثواب، فإذا عملها مرة فقد أصبح غير مُطالب بهذه السُّنَّة لأنه عملها مرة، فأنت مُطالب بها مرةً في العمر، لأنها سُنَّة وليست فريضة حين الإستطاعة.
السؤال: أنا خرجت على المعاش ووضعتُ مبلغاً في شهادة في البنك
وأحصل على أرباح كل ثلاثة شهور، فما الحكم؟
————–
عملنا قبل ذلك – في هذا المسجد ندوة طويلة عن البنوك، ولكن باختصار شديد: بالنسبة للمبلغ الذي أُودع في البنك بفائدة، فقد أجمع العلماء المعاصرون – لأنها اسمها معاملة مستحدثة، ومعناها أنها لم تكن في عصر النبي، ولا مع خلفاء النبي، ولا الفقهاء أصحاب المذاهب الأربعة الذين فرَّعوا المذاهب عن حضرة النبي، فهي معاملة جديدة ومعاملة عصرية – العلماء الذين استحدثوا عندنا في مصر كدار الإفتاء ومجمع البحوث الإسلامية، والذي فيه أربعون عالماً ويُعتبروا من أكبر علماء الأزهر في هذا الوقت، أجمعوا بعد أن ذهبوا للبنوك ودرسوا أساليب البنوك – أن وضع وديعة في البنك وأخذ فائدة عنها حلال، وليست حراماً، لماذا؟، لأن البنك لم يطلب مني قرضاً، والحديث: (كل قرضٍ جرَّ رباً فهو حرام)[4].
وهو لم يطلب مني قرضاً، ولكني أنا ذهبت له طواعيةً وللإستفادة والبنك يأخذها ويشغلها، ويستفيد منها ويعطيني جزءً من الفائدة، وهذا الجزء لحين اكتمال الأبحاث، ولذلك مرة الفائدة تصعد ومرةً تهبط وليست مستقرة على وضع على حسب أوضاع الإستقراءات العلمية التي يديرها البنك.
قالوا كذلك: أن المال الذي وضعته في البنك قيمته الشرائية تقلّ – فلو كنت واضعاً مائة ألف في هذا العام ففي العام القادم تكون قيمتهم لا يزيدون عن خمسين ألفاً، لأن القيمة الشرائية تنزل – فقالوا: وضع وديعة في البنك حلالٌ وليست حراماً، وخاصة إذا كنتُ أنا ليس في استطاعتي أن أستخدم هذا المال في أى مشروعٍ يُدِّر عليَّ ربحاً – ولو عندي استطاعة أن أشغله فأشغله – لكنني عاجزٌ ولا أستطيع تشغيلهم في مشروع، ولو أعطيتهم لأحد .. فنرى كل يوم في الصحف أن واحداً جمع بعض الأموال من مكانٍ وأخذهم وفرَّ، ألا يحدث ذلك؟!!. فلم تعد هناك ثقة في أحد، ورأينا كثيراً من الشركات وقد خرب كثيرٌ من ضمائرهم، فإلى من نعطيهم لنستغلهم؟!!، لا يوجد شئٌ مضمون ومأمون إلا البنك، لأن البنك تضمنه الدولة ولا يستطيع اللعب معي، وأنا معي المستندات. فباتفاق العلماء الأجلاء أفتوا بذلك.
وهناك بعض السادة المتشددين وهم العلماء الذين سلكوا سكة التشدد قليلاً قالوا: يُعتبر ربا، مع أنهم جاءوا بالأموال من السعودية، وكل بنوك السعودية تتعامل بالفوائد مثلنا هنا بالضبط، والفرق بيننا وبينهم أن البنك المركزي عندنا يضع الفائدة، وهناك كل بنكٍ يضع فائدته التي يراها، ولذلك هناك الناس يضعون أموالهم في بنك ثم يسحبونها منه ويضعونها في بنكٍ رفع فائدته، وبعدها لبنك ثالث وهكذا.
وأحدهم استفتى ابن باز وكان واضعاً أمواله في بنك سويسري، وقال له: أن فائدة أمواله في هذا البنك خمسة مليون دولاراً، فماذا أفعل بها؟، فقال له: هي حرام لأنها ربا، فقال له: ذهبت إليهم وقلت أتنازل عنها لكم، فقالوا: لا مانع، فنحن نحوِّل هذه الفوائد للجهات التبشيرية والتي تحارب الإسلام، فما رأيك؟!!، فقال له الشيخ ابن باز: أصرفها من البنك ووزعها على فقراء المسلمين.
ومن هنا نقول: إن كنت أنا محتاجاً فآخذ منها ولا شئ في ذلك، وإن كنت غير محتاج وفي نفسي شك منها أُوزعها على فقراء المسلمين، والمهم أنني وضعتها في مكانٍ أمين وأُخرج منها الزكاة لقوله صلى الله عليه وسلَّم: (لا تتركوا أموالكم تأكلها الصدقات)[5]. يعني لا تتركوا أموالكم تنقص بإنفاق الزكاة، فأُخرج منها أموال الزكاة، وأنفق منها على المشاريع الخيرية فهي حلال إن شاء الله رب العالمين.
***********************
سؤال عارض: والقرض؟
————–
أنا أتكلم عن الوديعة ولم أتكلم عن القرض، فإن كان البنك يتعامل بالربا فهناك بنوكٌ اسلامية فأختار منها بنكاً إسلامياً كبنك فيصل الإسلامي أو المصرف المتحد، أو بنك ناصر الإجتماعي، وكلها بنوك إسلامية، فأبتعد عن البنوك الربوية وأذهب للبنوك الإسلامية، فأصبحت مطمئن الخاطر والبال ومطمئن على مالي لأنه في مكانٍ موثوق فيه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم
***************
السؤال السابع: ما العبادات التي يصل أجرها للمتوفي؟
وهل يجوز أن يكون الصيام أو قراءة القرآن بأكثر من نيَّة، ومنها للمتوفي؟
————–
واحد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فقال: يا رسول الله ما الأعمال التي أستطيع أن أبرَّ بها أبويَّ بعد وفاتهم – بعد أن يموتا – فقال صلى الله عليه وسلَّم: (الصلاة عليهما، والدعاء لهما، والإستغفار لهما، وصلة الأرحام التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما)[6]،كل هذه الأعمال تنفع الميت بعد وفاته.
ومن أفضل الأعمال التي تنفع الميت بعد وفاته الصدقة الجارية، عندما ذهب عبد الرحمن بن عوف إلى رسول الله وقال له: يا رسول الله إن أمي توفيت وأريد أن أبرَّها، فقال صلى الله عليه وسلَّم: (اجعل لها صدقةً جارية، قال: ما خيرها؟، قال: أُحفر لها بئراً)[7] – يعني أُحفر لها بئر ماء – والناس في هذا الباب في هذا العصر يضعون كولديراً في مسجد أو يضعه في أى مكان، وبعد أسبوعٌ يفسد، فماذا أصنع بالماء؟
انظر إلى فقير يبني شقة صغيرة ولا يستطيع بناءها إلا على مراحل، فأُدخل له المياه بالمتخصصين في ذلك، وهو من سيحرسها بعد ذلك لأنه المستفيد من المياه، لأنه خيرٌ جاري وصدقة جارية للميت الذي تصدقت عنه بعد وفاته. فإذا كنا مجموعة فنحفر بئراً من آبار الصحراء الآن لتزرع الأرض ولكنها تحتاج إلى مبالغ عالية، ولكن هذا أمرٌ يسير.
بعض المتشددين قالوا: بأن قراءة القرآن لا تصل إلى المتوفي!!.
أولاً هذا الأمر أمرٌ غيبي فلا يعلمه إلا الله، فما الذي جعلك تحكم على الله جلَّ في علاه أن قراءة القرآن لا تصل إلى الميت، ولذلك أنا أقول لهم:
إذا كانت قراءة القرآن – على رأيك – لا تصل إلى الميت، فهل تنفع الحي الذي قرأها؟ هل ستنفعه أم لا؟، أفلا تتركه يقرأ القرآن؟ لأنه ستنفعه قراءته إن لم تنفع الميت كما تقول أنت. وكذلك الصلاة على الميت، أول ركن من أركانها قراءة فاتحة الكتاب، فلو كانت الفاتحة لا تنفع الميت فلِمَ جعلها النبي صلى الله عليه وسلَّم ركناً في الصلاة عليه؟!!. القرآن ينفع الناس أمواتاً وأحياءً، لأنه كتاب الله، وقد قال صلى الله عليه وسلَّم: (إقرأوا على موتاكم “يس”)[8].
وروى ابن القيم في كتابه “الروح”: أن الأنصار كانوا يوصون أولادهم بعد دفنهم أن يقرأوا عليهم سورة البقرة، وهذا عند المقابر قبل أن يتركوهم. سيدنا الإمام أحمد بن حنبل الذي أخذ عنه الجماعة المتشددون المذهب، كان يمنع القراءة حتى جاءه أحد المحدثين وقال له: الحديث الوارد عن الأنصار الذي يقول كذا وكذا وكذا، قال: عن من؟، قال: عن فلان عن فلان عن فلان، قال: ارجع إليهم ومُرهم أن يقرأوا – يعني لن أمنع قراءته عندما ورد لي هذا الحديث.
فمن يُلغي كل شئ لأنه لم يرد في أحاديث لم يطلع عليها، فهل اطَّلع على كل الأحاديث، لكن إجماع العلماء فهذا الذي نمشي عليه، يجوز للإنسان أن يحُجَّ عنه، والذي يحجُّ عنه ماذا يفعل؟، يطوف ويسعي – هل صامت أم يتكلم؟ ويصلي ركعتي الطواف هل فيهما قرآن أم لا؟ وهذا كله لمن؟ للميت.
الميت عليه ذنوبٌ وأنت حججت عنه بعد أن حججت عن نفسك أفلا يغفر الله له؟!!، لأن الرسول قال لها: (حجِّي عن أمك)[9].
والصيام قال فيه صلى الله عليه وسلَّم: (من مات وعليه صيام فليصُم عنه وليه)[10].
أنت مُخير بين شيئين: إما أنت أو ممن حوله يصوم عنه، أو تُخرج له كفارة الصيام لهذا اليوم فدية للفقراء والمساكين.
الشئ الوحيد الذي لا يستطيع المسلم أن يؤديه لمن مات هو ما تركه من الصلوات المفترضات، يجوز أن أصلي نوافل وأرسلها له، لكن صلاة الفريضة التي تركها لا – فهذا الشئ الوحيد الذي لا يجوز لأى مسلم أن ينفع بها مسلماً، أو يؤديها عن مسلم قد مات. لكن كل أعمال الخير وكل أعمال البرِّ تفعلها لمن مات.
وأذكر أن واحداً سأل أحد العلماء وقال له: أريد أن أكون من الصالحين، فماذا أفعل؟، قال له: أُدْعُ لأبيك وأمك كل يومك فتدخل في حديث النبي: (أو ولدٌ صالحٌ يدعو له)[11]، فمن دعا لأبيه وأمه يكون ولداً صالحاً، وقد دخل في الحديث، فمن لم يدعُ لهما فلا يكون صالحاً.
فكل الأعمال الخيرية تنفع الميت، والنافع والضار هو الله عزَّ وجلَّ، ونسأل الله بعد ذلك قبول الأعمال.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم
***************
[1] رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: )أن امرأة سوداءَ كانت تقم المسجد ـأي تنظف المسجد ـفماتت ففقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنها بعد أيام فقيل له إنها ماتت فقال عليه الصلاة والسلام فهلا آذنتموني فأتى قبرها فصلَّى عليها).
[4] روى البيهقي في المعرفة عن فضالة بن عبيد موقوفًا بلفظ : (كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا)، ورواه في السنن الكبرى عن ابن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله بن سلام، وابن عباس موقوفًا عليهم
[5] رواه الدارقطني والبيهقي من كلام عمر رضي الله عنه : ( اتجروا بأموال اليتامى لا تأكلها الزكاة ).
[6] روى أبو داود عن أبي أسيد ـ بضم الهمزة وفتح السين ـ مالك بن ربيعة الساعدي رضي الله عنه قال: بينا نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال:( نعم ، الصلاة عليهما ، والاستغفار لهما ، وإنقاذ عهدهما من بعدهما ، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما ، وإكرام صديقهما).
[7] روى النسائي عَنْ سَعْدِ ابْنِ عُبَادَةَ رضي الله عنه قَالَ: (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ قَالَ سَقْيُ الْمَاءِ).
[8] أخرجه أبو داود وابن ماجه عن معقل بن يسار رضي الله عنه.
[9] روى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء).
[11] روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له).