• Sunrise At: 6:16 AM
  • Sunset At: 5:57 PM

Sermon Details

4 سبتمبر 2015

أسئلة حائرة وإجابات شافية_مجلس المعادى الجمعة قبل صلاة العصر 4-9

إقرأ الموضوع

شارك الموضوع لمن تحب

……………………………………………………………………

العتيقة

سؤال1: هل هناك شيء يسمى عتيقة من النار، وهي أن تقول (أستغفر الله العظيم وهو التواب الرحيم) سبعين ألف مرة وهي العتيقة الصغرى، أو مائة ألف مرة وهي العتيقة الكبرى؟

———————

هذا الأمر مذكور في بعض كتب الرقائق، وإن كانت الأحاديث المروية عنه ضعيفة، لكن يُعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، فهناك حديث: (من قال أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه سبعين ألف مرة أعتق الله رقبته من النار)[1]. وهذه يسمونها العتيقة الصغرى، وهذه نعطيها  للمقبلين على لقاء الله، الذين كبروا في السن وأصبح على باب الآخرة، ويحتاج أن يعوض ما فاته، أو يستغفر من ذنوبه، فأفضل عبادة له الاستغفار.

وهناك عتيقة أخرى يسمونها العتيقة الكبرى، يقول فيها صلَّى الله عليه وسلَّم: (من قرأ سورة الإخلاص مائة ألف مرة أعتق الله رقبته من النار)[2]، وهذه كذلك نعطيها أيضاً لهم، فنعطيهم العتيقة الصغرى، وبعد أن ينتهوا منها نعطيهم العتيقة الكبرى، ونرى أن هذا يكون سبباً لعتقه من النار إن شاء الله رب العالمين.

إذا أراد المريد في بدايته أن يأخذها فلا مانع، فقد كان السلف الصالح وخاصة أتباع الطرق كالخلوتية وغيرها يأمرون المريد عندما يدخل طريق الله عزَّ وجلَّ – قبل أن يعطوه أي أوراد – أن يستغفر الله سبعين ألف مرة، حتى تمسح ما فات، ثم يعطونه بعد ذلك الأوراد، ولا يحددون له زمن للانتهاء منها، وكان معظمهم يستحسن أن يستغفر كل يوم ألف مرة، بعد كل فريضة مائتين مرة، فيستغرق سبعين يوماً، وبعد ذلك يظهر عليه علامات التوابين والمتطهرين، فيعطونه الأوراد.

والأوراد إذا داوم عليها المريد يكون لها علامات التوابين والمتطهرين تظهر على صفحة الوجه، وأنا أذكر عندما كنت شاباً في بداية الطريق، وأكرمني الله ببداية شديدة فاجتمع حولي عدد كبير من أهل بلدتي، حتى كنا نملأ المسجد، وكنا نختم صلاة الصبح حتى شروق الشمس، فكان – سبحان الله -الذي لا يقرأ الوِرد القولي، أو الوِرد القرآني لمدة يوم أو يومين أعرفه، لأن الوِرد يظهر نوره على الوجه: (تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ) (273البقرة) تظهر في سيما الإنسان، يقول سيدنا عبد الله بن مسعود رضِي الله عنه: ((كنا نعرف الكذاب بعلامة في وجهه)).

فالمصيبة الكبرى أن كثيراً من المريدين لا يحسبونها جيداً مع الصالحين الصادقين أهل الإشراق، لأن الصالحين يتركونهم لأنفسهم: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا) (46فصلت)، فالشيخ لا يحتاج منك شيء، لكن أنت المحتاج له، فلو عملت صالحاً فسيضعوك في كشوفهم، وإن لم تعمل فستكون في كشوف الجزاءات، والجزاءات تكون شديدة لكنك لا تدري.

يقول أحدهم لرجل من الصالحين: أنا عملت كذا وكذا من المعاصي ولم أجد عقاباً!!، فقال له: هل أنت تقوم الليل؟ قال: لا، قال: وهل هناك عقاب أشد من هذا؟!! محروم من قيام الليل. والعقاب الأشد الغفلة عن ذكر الله، أن يمشي الإنسان ولا يذكر بلسانه إلا فلان وعلان، ولا يذكر الله، وهناك أنواع كثيرة من العقاب، يغفل عنها كثير من المريدين.

إذاً المريد يبدأ أولاً بالاستغفار سبعين ألف مرة إلى أن يغفر الله عزَّ وجلَّ له ويطهِّره، ثم يبدأ بعد ذلك في الأوراد، ويحافظ على نفسه من المعاصي والفتن ما ظهر منها وما بطن.

أنا أحذر الأحبة كباراً وصغاراً: إياكم .. ثم إياكم .. ثم إياكم من النت وفيروساته، فهو الآفة العظمى التي أصابت كثيراً من السالكين في مقتل، فلو تعوَّد أن يرى أشياء خارجة فإن النفس تتلذذ بمشاهدة هذه المناظر، فيضيع: (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ) (11الحج). فليحذر الجميع من ذلك، ويَقُوا أبناءهم من ذلك.

لا تراقبه لتعرف هل يرى هذه الأشياء أم لا، ولكن أهم شيء ما الذي وضعته أنت في قلبه؟ لأنه يجب أن يراقب الله لا يراقبك أنت، فتبقى معه حتى تذيقه طعم الخشية، ويطمئن قلبه بذكر الله، وبعد ذلك لا تخش عليه ولو من الشيطان: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) (201الأعراف).

*****************

الأوراد

سؤال2: هل الأوراد التي يأخذها المريد بعد أن ينتهي من العتيقة الصغرى والعتيقة الكبرى مكتوبة أم غير مكتوبة؟

———————-

هناك أوراد أهل البداية وهي مكتوبة، وقد ذكرناها في كتابنا: (أذكار الأبرار)، أما أهل العناية الذين ترقوا قليلاً تكون أورادهم إلهاماً مباشرة من الله عزَّ وجلَّ لهم، لذلك أورادهم تختلف.

هناك من يأخذ الوِرد فيُخلص فيه فيجد الفتح، وهناك من يأخذ الوِرد فيتركه فيقف، ولا يفتح عليه، ويطلب ورداً آخر. كيف ولم يُفتح عليك؟!!.

هناك أوراد لسانية، وهناك أوراد قلبية، وهناك لطائف برزخية، وهناك بعد ذلك تجليات روحانية، ولكل مقام مقال. فالأوراد موجودة لأهل الجد والاجتهاد الذين لهم مقصد عال، لكن لا يجوز أن آخذ الوِرد وأتركه، كالذي يذهب للطبيب فيعطيه روشتة الدواء فلا يأخذها، هل يطلب روشتة أخرى؟! أو يعطيه الصيدلي تركيبة عظيمة ولا يأخذها!!.

لكن: (من عمل بما علم ورَّثه الله علم ما لم يكن يعلم)[3]، وهذه أول نتيجة، لكن إذا أردت النتائج التي في اليدين، والتي تراها العيون فلا شأن لنا بهذه النتائج، لأن الذي تراه العيون وتلمسه اليدان نحن نريد فيه البركة، وأنت لجهلك تريد فيه الكثرة، والكثرة لن تُغني عنك شيئاً، لكن البركة لو جاءت فإن القليل سيُغني عن الكثير.

*******************

الإذن للورد والرابطة الروحانية

سؤال3: ما الفرق بين قراءة الوِرد القرآني بإذن من الشيخ، والقراءة بدون إذن؟

———————–

كل المسلمين في قراءة القرآن مأذونين فيه من الله: (فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) (20المزمل)، لكن الشيخ إذا كان سيخص إنساناً بآيات مخصوصة فهو لعلة يراها تزول بهذه التلاوة، لكن غير ذلك كلنا مأذونون بالتلاوة ولكن مع التدبر.

وهناك كثير من المريدين يشكون من عدم الفتح، وذلك لأنهم يجهلون الطريقة التي بها الفتح، لكن الطريقة التي علَّمها لنا مشايخنا والتي بها نجد الفتح في كتاب الله عزَّ وجلَّ وفي الأوراد، وهي لابد أن يكون هناك رابطة روحانية بينك وبين خير البرية صلَّى الله عليه وسلَّم. فكل محطات البث التليفزيونية موجودة في كل مكان لكنها متى تظهر على الشاشة؟ إذا كان هناك جهاز استقبال، لأنه يربط بين الشاشة والإرسال.

كذلك هناك محطة استقبال يُجهزها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ويعطيها تصريح بالبث من حضرته إلى قلوب الأحبة الذين زاد شوقهم، والذين نما غرامهم، والذين دام هيامهم، حتى يتمتعوا بالعطاءات الآتية في روحانية المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام

ماذا أفعل من أجل ذلك؟ هذا الذي تعلمناه – وهذا لا نقوله للعوام – فعلى الإنسان أن يستحضر صورة شيخه عند عمل وِرده، أو عند تلاوة كتاب الله، ويستحضر أن شيخه هو الذي يقرأ وهو يسمع القرآن من شيخه، وهذا الذي مشينا عليه، وكان الواحد منا عندما يقرأ بهذه الكيفية يحس بأن بحار من المعاني الإلهية تتفجر في القلب، لم يقرأها في كتاب، ولم يسمعها من عالم، وكلما أعاد التلاوة يجد بحار أخرى من المعاني تتنزل.

ماذا تفعل صورة المرشد؟ تسد الحواس الظاهرة، فيُخلص الإنسان، وتمنع واردات الحواس كالعين والأذن واليد وغيرهم، وتفتح الحواس الباطنة، فتأتي العطاءات الباطنة.

لكن لو قرأت ولا يوجد استحضار، فإن الحواس الظاهرة مفتوحة، فأنا أقرأ لكني أسمع فلاناً يتكلم في كذا وكذا، هل هذه القراءة بصفاء أم مشوشة؟! أو أنا أقرأ وعيني تنظر هنا وهناك، فما شكل هذه القراءة؟! مشوشة لأن الحواس الظاهرة مفتوحة، قال في ذلك الإمام أبو العزائم رضِي الله عنه وأرضاه: ((صورة المرشد تمنع واردات الحواس عن القلب، فتكون الحواس تحت سلطان القلب، والقلب يتلقى من الرب عزَّ وجلَّ))، وهذه هي البدايات الأصلية في سلوك أهل المعرفة الروحانية.

وغير ذلك من قراءة الأوراد ليل نهار فهو عابد، والحاضر فيه له عليه درجات، وغير الحاضر فيه لا يكتبوه، والدرجات حسنات في الدار الآخرة، لكن ليس له علاقة بالمِنح. يقرأ القرآن، ويقوم الليل، كل هذا عابد، ولا مانع سيعطيك الله ما تريد وزيادة، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، لكن الفتح الإلهي ليس له طريق غير ما ذكرنا.

ما الذي منع يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام من الفاحشة بعدما تزينت له زُليخة وكانت أجمل أهل زمانها؟ (وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ) (23يوسف)، وفي قراءة أخرى: (هُيِّئْت لَكَ ما الذي منعه؟ برهان ربِّه:  (لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) (24يوسف) وما برهان ربِّه؟ قالوا: صورة أبيه .. مرشده سيدنا يعقوب عليه السلام. عندما همَّ بها وجد صورة المرشد أمامه، فمنعه، سواء إن كان همَّ بقتلها أو غير ذلك، لأنه لو قتلها فستكون مصيبة بالنسبة له، لأنه في هذه الحالة سيقولون قتلها لأنه كان يريدها فامتنعت. فالذي منعه من هذا الأمر صورة المرشد، وهو الأساس في هذا الأمر قديماً وحديثاً.

**********************

الشوق

سؤال4: ما معنى الشوق؟

——————–

الشوق هو الحب الزائد الذي ينمو ويتزايد رغبةً في حبيب الله ومصطفاه صلى الله عليه وسلَّم، أو في التملِّي أو التمتع بالمشاهد العالية من كمالات الله جلَّ في علاه. وهذا الشوق ينمو فيصير عشقاً، ثم يتحول إلى هيام، ثم يتحول إلى اصطلام، ثم يتحول إلى فناءٌ بالكلية في المحبوب، فلا يبق للمُحب هُويِّة ولا أنيَّة مع المحبوب، وهو الذي قيل فيه: ((لا يصِّح الحبُّ بين اثنين حتى يقول أحدهما للآخر: يا أنا)).

وهي الدرجات التي يرتقي الناس فيها، وهي مذاقات وليست كلمات، فلا نريد أن نشغل أنفسنا بالكلمات كبعض من ينتسب للصوفية، والذين يشغلون أنفسهم والناس بكلمات عالية من كلام السادة الصوفية ويردِّدُونها بينهم، فمن يسمعهم يقول: هؤلاء أهل أحوال عالية، وأهل مقامات راقية، وهم ليسوا على شيء، يحملون البضاعة فقط على رؤسهم ولا يحملونها في قلوبهم. والشوق لا ينمو إلا بمجالسة أهل الشوق، وهناك شوقٌ ظاهر وهو للمظاهر، لكن شوق أهل الحقيقة باطن لعَالَم الغيب الذي تجلَّى الله عزَّ وجلَّ فيه في باطن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .

فهناك فرقٌ كبير بين من يشتاق لزيارة المقام في الروضة، وبين من يشتاق للذات المحمدية، وهناك فرق بين من يشتاق للكعبة كمبنى، ومن هو ناظرٌ نظرةً أعلى ويشتاق إلى كعبة الأرواح، والإمام أبو العزئم رضِي الله عنه وأرضاه عندما كان واقفاً عند الكعبة خاطبها وخاطب الله وقال:

حبي لمبناكَ هيمني وأرَّقني

فكيف إذا ما أشرق المعنى

فكيف بمن أشرق عليه عالم المعنى؟ ماذا يفعل؟! ولذلك أعجب عندما أرى المساكين الذين يذهبون إلى هناك، منهم من ينخرط في البكاء وغير ذلك، فما بالك لو رأيت ذرَّة من عالم الحقيقة ماذا تفعل؟!. إذا كنت عند الجدران وتبكي، فما بالك لو رأيت القلب العامر بالله؟! فهذا البيت الذي بناه إبراهيم، وآثار الخليل فيه، فما بالك بالبيت الذي بناه الجليل، وهو قلب الحبيب الأعظم؟! هل هذا كذاك؟!. هل يستوي البيت الذي بناه الخليل مع البيت الذي بناه الجليل؟! فهذا به آثار، ولكن الآخر فيه أسرار!!، وفرقٌ شاسعٌ بين الآثار والأسرار، لذلك لابد للإنسان أن يكون في البدايات مع أهل العنايات.

والشوق مزعج، يزعج كل الأعضاء الظاهرة والباطنة لبلوغ المراد، ومثلاً في الدنيا: إذا اشتاق الإنسان لواحدة يحبُّها، فعند نومه يطوف به خيالها فيمنعه من المنام، وعند أكله يرى خيالها فلا يتلذذ بالطعام، يريد أن يتكلم فيتذكر نغمات كلامها فلا يتهنَّى لسماع أي كلام.

وهذه الحالة أيضاً يراها المحبُّون، والذين هم ذوي شوقٍ وهيام، فلو ذهب أو أتاه رجل آخر ويريد أن يُسمعه حتى ولو كان علماً من القدس الأعلى، يجد أن عنده انصرافاً  وصدوداً عن كلامه ولا يريد أن يسمع، لأن أذنه الواعية جُبلت على السماع من شيخه.

فالشوق يجعل كل حقائق الإنسان الظاهرة والباطنة تتَّجه إلى حبيب ذي هيامٍ وغرامٍ، وتريد أن تتقرب منه، وتريد أن تعيش معه، وتريد أن تحظى بلقياه، وتريد أن تحقق المنى معه.

ونحن نعجب من الشوق مع الغَيْبَة، الغائب يشتاق حقاً، لكن الإمام أبو العزئم سأل سؤالاً فقال: هل يشتاق حاضر؟!!، فلم يجبه أحد، فقال: هناك مقام المعية، وهناك مقام العندية، وهناك مقام اللدنية، فكلما دخل إلى مقام يشتاق للمقام الأعلى في هذا المقام، الحضور معية – في مقام المعية – فيكون الشوق لمقام العندية: (إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) (128النحل) غير: (إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ) (206الأعراف) هل هؤلاء كهؤلاء؟! وهؤلاء غير: (آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) (65الكهف)، ولذلك المقام الأعظم للحبيب صلى الله عليه وسلَّم: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ) وهذا مقام اللدنية، لا جبريل ولا غيره، مقام اللدنية مباشرة: (مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) (6النمل). هذه المقامات تحتاج إلى سير وسلوك وأذواقٌ ومشاهدات، وليست علماً ولكنه ذوق:

العلم حدٌ وفوق العلم أنوارٌ

والنور غيبٌ وفوق الغيب أسرارٌ

والسر يجذبني لشهود حضرته

وهو الوليُ تعالى وهو ستَّارُ

فيرتقي الإنسان في هذه المقامات، فأول شيء يُحصِّل العلم، وبعده يعمل بالعلم، حتى يرى نور العلم، فلو وقف عند الأنوار يُحجب عن الأسرار، فلا يقف عند الأنوار ليرى الأسرار، ولو وقف عند الأسرار يُحجب عن وجه النبي المختار صلى الله عليه وسلَّم الذي هو مصدر هذه الأسرار .. وهكذا، ولذلك كان صلى الله عليه وسلَّم يستغفر الله فيقول: (وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً)[4]، وقال في الرواية الأخرى: (إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ)[5].

فالذين على قدرهم قالوا: إن رسول الله مثلنا يأتيه أشياء على قلبه، فسيدي أبو الحسن الشاذلي رضِي الله عنه وأرضاه قال: تحيَّرت في هذا الحديث، فجاءني سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في المنام وقال لي: ((غين الأنوار لا غين الأغيار يا مبارك)). هناك فرقٌ بين غين الأغيار للناس العاديين، والأغيار يعني الدنيا وما فيها من الشهوات والأهواء والأولاد والنساء وما شابه ذلك، وبين غير الأنوار، والأنوار لا منتهى لها، ولا حدَّ في إدراكها، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل نفسٍ يرتقي، فكلما ارتقى في مقام يرى المقام الذي قبله كان بالنسبة له غيناً فيتوب إلى الله عزَّ وجلَّ منه ويستغفره.

ولذلك قال: زدني (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) (114طه)، والعلم في هذا المقام شهود، وليس علم كعلمنا: (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ) (18آل عمران). والعلم هنا شهادة، أى شهود، فكان صلى الله عليه وسلَّم يشهد على الدوام وجه ربِّه عزَّ وجلَّ في تجلياته التي لا تتناهى ولا تُعدُّ ولا تُحد، فإن الله عزَّ وجلَّ يتجلى في كل الأنفاس بتجليات لا حدَّ لها، ولا يدرك ذلك إلا من أعطاهم الله عزَّ وجلَّ هذا المقام العَليّ، وكانوا على صلة مباشرة روحانية بحضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم.

********************

رفع السماوات بغير عمد

سؤال5: ما معنى قوله تعالى: (رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) (2الرعد)؟

————————

السماء مرفوعةٌ الآن، فكم عموداً يحملها؟! فهل ترى أعمدة تحملها؟! لا، فبأى شيء رفعها الله عزَّ وجلَّ؟، بإسمه الرافع: (وَالسَّمَاء رَفَعَهَا) (7الرحمن) تجلَّى عليها الله عزَّ وجلَّ بإسمه الرافع فرُفعت بغير عمدٍ ترونها.

ولها معنى آخر إشاري: لو لم تعتمد على نفسك، وفنيت في ربك، وأبصرت بالله، ففي هذه الحالة: ترونها بغير عمدٍ. يعني لو نزَّهت نفسك عن الإعتماد، وعن العمل والحول والطول وفنيت في الله ترى السرَّ، والسرُّ لا يُكشف إلا لأهله، فكيف تكشفه لغير أهله؟! لأنهم لم يروه ولن يروه، وهو إشاري في الآية لأهل العناية.

والسماء من السمو يعني الرقي، وكل مقامات الرقي التي يرقى الإنسان فيها إلى الله، ما شكلها؟ وكيف تصل إليها؟ وكيف تسير فيها؟ سيدي أبو الحسن الشاذلي رضِي الله عنه وأرضاه، خادمه تطاول في النقاش قليلاً مع سيدي أبي العباس المرسي، فغضب الشيخ وقال له: كيف تتكلم مع أبي العباس بهذه الكيفية؟! والله لأبو العباس أعلم بطرق السماء منك بطرق الأسكندرية.

المريدون الصغار فهموا أن السماء بها طرق وأبو العباس يعرفها، ولكنها طُرق السُمو إلى الله، والطرق التي يسمو بها المرء إلى مقام الصفاء والنقاء والشفافية، وهي طرقٌ كثيرة: (لله طرائق بعدد أنفاس الخلائق). فكل واحد له طريق أو أكثر من طريق، الطبيب يجربه في طريق فإن لم يفلح يضعه في آخر وهكذا، فإذا صدق في النهاية لابد أن يصل، وإذا أخذ مرةً واحدة ولم يفلح، وقال: الشيخ لا يصلح، فلا فائدة فيه لأنه غير مؤهل لهذا المقام.

فأبو العباس يعرف طرق السُمو والرقي إلى الله عزَّ وجلَّ أكثر من معرفتك هو بطرق الأسكندرية، وانتبهوا لحديث النبي صلى الله عليه وسلَّم عندما يقول: (إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ)[6]. وجبريل هو الروح الأمين، والذي فيه سر الروح، والذي به الفتوح، والذي ينفخ الروح لمن أراد الله عزَّ وجلَّ له وبه الفتوح: (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ) (15غافر).

ويُحبه أهل السماء وهم أهل السمُو في المقام في هذه الحياة الدنيا، لأن هؤلاء قومٌ في نظر الله لهم المكانة والوجاهة عند الله عزَّ وجلَّ، وهؤلاء الذين إذا شهدوا للمرء فيا هناءه، لأن هؤلاء أصحاب المقام العالي عند الله عزَّ وجلَّ، والذين قال لهم حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم عندما مرت بهم جنازة فأثنوا عليها خيراً: (وَجَبَتْ، ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضِي الله عنه: مَا وَجَبَتْ، قَالَ: هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ)[7]. وقال هذا لمن كان حوله وقتها، من أهل الصُفَّة المباركين وليس الكل، وهؤلاء هم أهل المقام العالي، وهؤلاء أهل السُّمو، سَمَوا عن الحظوظ والأهواء والدنيا الدنية والمطامع الفانية، وتعلقت قلوبهم بالله عزَّ وجلَّ وحبيبه ومصطفاه، ومراقي الصالحين الكُمَّل من عباد الله.

فلم تشغلهموا دنيا وأُخرى

عن الإقبال على الذات العلية

عبيدٌ أخلصوا لله قلباً

وقاموا خاضعين بصدق نية

ومن يد سيد الرسل التهامي

سُقوا خمر البشائر أحمدية

صَفُوا لله من ميلٍ وحظٍ

فكان القرب منه لهم عطية

فخلِّ الخلق خلفك ثم عامل

بصدق ذات مولاك العلية

فهؤلاء هم أهل السُّمُو عن الداني والفاني، والذي كل من فيه يعاني، ولذلك هم في عالم القرب دائماً والتهاني، وهم الذين يقول الرجل فيهم: ((لو يعلم الملوك ما نحن فيه لحاربونا عليه بالسيوف)).

فليس عندهم خدم ولا حشم، لكن ما هم فيه من الهناء والجلاء والصفاء والبهاء والنور والضياء التي يواجههم بها إمام الرسل والأنبياء، والتي يتنزل الله عزَّ وجلَّ لهم بها في حالات الصفاء، تجعل الواحد منهم ليس له شأن بالدنيا. هؤلاء هم أهل السُّمو، يحبه أهل السماء، ويُوضع له القبول في أهل الأرض الذين لم يزالوا محبين وليسوا محبوبين، لأنهم مشغولون بالطوب والطين، فلما ينتقل من مقام مريد إلى مراد، ومن محبٍ إلى محبوب، ومن طالبٍ إلى مطلوب، ومن مُخلِصٍ إلى مُخلَص، وهذا بعد الصفاء، لكنه لا يزال في المقام الأول.

***********************

درجات الفتح النوراني

سؤال6: ما درجات الفتح النوراني؟

———————-

من الذي يستطيع أن يعُدّ؟!!، سأل رجل أحد الصالحين وقال له: أنا أريد أن أصل إلى مقام الإحسان، فقال له: بينك وبينه عشرة آلاف مقام!! فمن يستطيع أن يعدَّهم أو يحدَّهم أو يوصَّفهم؟!

لكن ماذا نفعل؟ نُسلِّم، يقول أحدهم مثلاً: أنا أسافر إلى أسوان لأتعرَّف على البلاد التي في طريقي، هذه البلدة وغيرها، وهذا النجع وغيره، هذا سيحتاج إلى سَنَة وقد لا يصل، فماذا أفعل؟ أحجز في القطار، وأُسلِّم نفسي لسائق القطار، وأقول له: أنا أريد أن أصل إلى أسوان، ولا أنظر إلى هذه المحطة ولا إلى تلك المحطة، فيقول لي: ستصلها بعد ساعات محدودة، وبعد هذه الساعات أجد نفسي في أسوان.

فسلم لأهل الحال روحك واعتقد

تفُز بشراب الراح عند وروده

لكن العقل يقول لي: ستمشي كم محطة؟ وأين تذهب؟ والعقل لو وقف عندي سيكون حجر العثرة لي، لأن كل شيء يريد أن يزنه بميزان حسِّي، وهذه الأشياء لا تُوزن، فهل يصِّح أن أزن الذهب بميزان قباني؟! أو حتى بميزان كفَّات؟! لا، فالعقل يزن المحسوسات والملموسات، لكن عالم غير المرئيات ما للعقل وما له؟! سيحتار: (يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ) (4الملك). والبصر هنا هو العقل، لأنها ليست قدراته، ولكنها تحتاج العقل النوراني.

والعقل النوراني يأتي بعد التسليم للفرد الرباني، والخروج من عالم المباني إلى عالم المعاني، وكل هذا فيك، ففيك عالم المباني وفي نفس الوقت فيك عالم المعاني – بداخلك، أين هو؟ لا تراه، إذا كُشف لك ما فيك من معاني خالقك وباريك ستُفَاتح بكل هذه الأمور وتكاشف بها، وهي علوم ما تُحَصِّله في نَفَس منها قدر ما تحصِّله الحواس كالعين والأذن والعقل في خمسين ألف سنة!!.

ولذلك العقل لا يدرك هذه الأشياء، عشرة آلاف مقام، كم من الوقتٍ لتستطيع تحصيلهم؟! لكن في لحظة الوصل تُحَصِّلهم في سِنَة، كيف؟ إنها غيوب لا تلوح لمحجوب، ولا لمن على قلبه عيوب:

إذا صفا القلب من وهمٍ وشبهاتٍ

يشاهد الغيب مسروداً بآياتٍ

(كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ. لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ) (5، 6التكاثر)، (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ. كِتَابٌ مَّرْقُومٌ) (18: 20المطففين)، هل يقرأه؟ لا يستطيع أحدٌ أن يقرأه لأنه مشهود: (يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ) (21الطففين)، يقولونه لمن؟ كما قال سيدنا علي: ((إن هاهنا لعلوماً جمَّة لو أجد لها حملة))، من الذي يستطيع حملها؟!!، وكما قال سيدنا موسى: (وَيَضِيقُ صَدْرِي) – لماذا؟ للعلوم التي فيه – (وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي) (13الشعراء) لأنهم لن يصدقوا هذا الكلام ولن يتحملوه، وسيدنا علي زين العابدين رضِي الله عنه قال ذلك:

يا رُبَّ جوهر علم لو أبوح به

لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنَ

ولاستحَّل رجالٌ مسلمون دمي

يرون أقبح ما يأتونه حسناً

سيقولون: إنه رجلٌ كافر، لأن هذه أشياء لا يعرفونها، فالكفر يعني الغطاء، وكل شيء تُغَطي عن العقل – إذا كُشفت – تُكِّفر صاحبها، لأنها لا تظهر للعقل، والعقل يريد شيئاً محسوساً ملموساً.

فمقامات القرب هذه نحن نُسَلِّمها وهم يُرَقونا فيها، هناك من يقطعها في سنين، وهناك من يقطعها في لحظات، لأنها كلها هبات وتفضلات وعطاءات من الله عزَّ وجلَّ، أنا فقط أجتهد في البدايات فأجاهد نفسي، وأمشي على هذا الجهاد وأحافظ عليه، والباقي يكون سهلاً إن شاء الله: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (21الحديد) (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء) (105البقرة) فهو اختصاص.

****************

حظ المريدين من مقام شيخهم

سؤال7: أليس للمريدين حظاً من مقام وكرامة شيخهم؟

—————————–

كلهم لهم حظ، ولكن فينا من يتمتع بهذا النصيب وهو في الدنيا، وهذا يكون له تأهيل خاص، وفينا من لا يتمتع بذلك إلا ساعة الفراق وهو خارج من الدنيا: (فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) (22ق)، وفينا من يتمتع بذلك في البرزخ. المهم في الآخرة سنكون قد اكتملنا في معرفة الله عزَّ وجلَّ، لأنه لا بد أن نكتمل في هذا المقام.

فينا من يُوفق وهو في الدنيا لكشف الغطاء، فيرى أنوار هذا العطاء، ومنا من لا يُكاشف به في الدنيا رحمة به لأنه لو كُشف له في حياته فلا يتحمَّل، فيجوز أن تحدث له حالة وَلَهٌ، أو حالة جنون، أو يحدث له حالة من الحالات التي لا تتحملها قواه البشرية، والله عزَّ وجلَّ يريد لنا أن نكون من أهل الكمال في الوصال لله عزَّ وجلَّ. فلا أحزن إن لم أصل إلى ما وصلوا إليه، لأني سأصل إن شاء الله عزَّ وجلَّ لأنني واثق أنه يختار لي الأفضل.

كان هناك أحد الذاكرين الحاضرين السالكين مع الإمام أبي العزائم رضِي الله عنه ويجلس مع الأحباب ويسمع منهم، فمنهم من يقول: إني رأيت كذا في المنام، ومن يقول: رأيت الليلة كذا، وهو لا يرى شيئاً، ولا ينتبه أن هذا الذي لا يرى صاحب المقام الأكمل: ((إذا كَمُل يقين العبد حُرم الرؤيا))، أما الذي يرى فهو صغير في المقام، إن لم يرى سيغضب ويحزن وقد يرجع فيبشروه ليقربوه، فإذا كمُل فلن يعبأ بالرؤيا لأنه وصل للكمال.

فجاء للشيخ وقال له: أنا لا أرى شيئاً وفلان يقول: أنا رأيت كذا، وفلان يقول: أنا رأيت كذا، فانتظر الشيخ حتى أقاموا حلقة الذكر فوضع الشيخ يده على صدره، فرأى الرجل قلبه يطوف حول العرش، فرفع الشيخ يده فعاد كما كان يرى من حوله، وكلما وضع يده على قلبه يرى قلبه وهو يطوف حول العرش، فإذا رفع الشيخ يده يرى نفسه كما هو، وبعد الذكر قال له: انتهي القلق يا سيدي.

فهذا مقام الحفظ، لأن هذه الأشياء كالرؤيات والمشاهدات قد تكون فتنة للسالك وتُعرِّضه للمهالك، فيقول المريد: أنا أرى رؤيات كذا وكذا فأنا ممنوح وأنا كذا وكذا، فقد يتعالى على إخوانه، وقد يظن أنه خير أهل زمانه، وقد يحدث أنه في يومٍ من الأيام يظن أنه صار في غنىً عن الشيخ، وأنا شيخ ويريد أن يكون له مريدين، وهذا يحدث في كل زمان ومكان، وذلك لأن النفس ما زالت موجودة.

لو ظل في حصن الأمان، وادُّخر له ذلك حتى ميعاد لقاء الرحمن، فما الخديعة التي تأتيه هنا؟ لا شيء لأنه دخل دائرة الأمان الأعظم والمقام الأكرم، وحفظه الله عزَّ وجلَّ من فتن النفس، وفتن النفس في هذا المجال لا حدَّ لها ولا عدَّ لها.

لا يصل أحد في العلم كما وصل الشيطان، فلا يوجد عالم من أول الدنيا إلى آخرها وصل إلى ما وصل إليه إبليس، ومع ذلك وقع في التلبيس وخرج من الجنة، ولذلك فالعلم ليس كل شيء، وبلعام بن باعوراء الذي حكى لنا الله عزَّ وجلَّ قصته: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا) (175الأعراف)، وكان تربَّى على يد سيدنا موسى، ظل في العبادة حتى وصل إلى مقام الكشف، وكان يطَّلع على اللوح المحفوظ وهو في مكانه، وكان يُستشفى بدعائه في الوقت والحال، وطلابه كانوا سبعين ألف طالب.

موسى عليه السلام عبد، ومقام الكمال مقام العبدية، والصالحين الذين تظهر على أيديهم الكرامات والإشارات فهؤلاء لايزالون صغار، لكن الكُمَّل عبيد ولا يظهر عليهم شيئاً نهائياً، وإذا رآهم الناس يرونهم مثلهم: (أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ) (24القمر)، (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) (7الفرقان).

والناس يريدون من يخالفهم، كرجلٍ يمشي في الطريق ويمسك بسيف، يقولون: هذا رجلٌ من الصالحين، لأن مظهره غير مألوف. لكن رجل يلبس بدلة وأنيق في لبسه، ويركب طائرة، ويركب سيارة فاخرة، فهل هذا من الصالحين؟ يقولون: لا، هو يريد إنسان عاري أو حافي .. المناظر الغير مألوفة، وهؤلاء رجالهم صغار في طريق الله عزَّ وجلَّ، ولا ينفع إلا نفسه، ولا يجوز الإقتداء به، ولا حتى طلب الإنتفاع بدعائه، لأنك ربما تطلب منه الدعاء فيدعو لك بدعوة – ودعاؤه مستجاب – وأنت لا تريدها لأن له حال أنت لست مثله.

فبلعام بن باعوراء عندما رأى نفسه كذلك قال: لماذا يحمل موسى النبوة والرسالة؟! يجب أن يكون لي القُطبانية في الأرض، ومعي كل شيء، فماذا يفعل؟ دعا على سيدنا موسى ليُوسِّع الله له الطريق ليكون الوحيد الفريد، وهذا من مكر النفس، فغضب الله عزَّ وجلَّ وقال: أتدعو على موسى كليمي وصفيي، فسُلب كل ما معه: (فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) (الأعراف) أصبح الشيطان تابعاً له وليس هو الذي يتبع الشيطان: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث) (176الأعراف).

وهذا النموذج يحدث كثيراً، ونراه كثيراً في رحاب الصالحين، لماذا؟ العبد عندما يُعجَّل له بالفتح، ولم يتمكن في تزكية النفس فمن الممكن أن يُمكَر به، ونفسه تلعب به، فيشتط ويبعد عن طريق الله، وعلى الأقل يقع في الوحل فلا يرى لنفسه أنه أهل للسماع أو للتزكية لأنه وصل واتصل، وهي آفة كثيرٍ من الأحباب، كثيرٌ منهم يضع نفسه شيخ، وشيخ يعني له مريدين، فلا يسمع من شيخه ولا من غيره، وإذا جاء للجلوس يأخذ معه ثلاثة أو أربعة مريدين ليكون هو شيخهم.

فالشيخ سُمي شيخٌ لأنه شاخ في معرفة الحقائق ليوضحها لنا، لكن لا يزال شاباً في الحقائق ولا يعرفها فكيف يوضحها لنا؟! يوضحها إذا أخذ الخبرة، وأخذ الأمر الصريح من يد خير البرية صلى الله عليه وسلَّم: (وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) (23القصص)، يعني شاخ في عالم هذه الحقائق وهذه الرقائق، وليس شيخاً كبيراً في السن، لأن المؤمن لا يشيب، أهل الإيمان يظل إلى أن يلقى الله عزَّ وجلَّ شاباً، لأنه يأخذ صفة أهل الجنة؛ لا يبلى شبابهم، فيبقى قلبه إلى أن يلقى الله عزَّ وجلَّ شاباً.

فالأفضل لي والأحسن لي: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا) (65النساء)، ما الذي ضيعني؟ لو رجعت لي عجلتي مرةً أُخرى: (وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً) (11الإسراء) متعجِّل ويقول: لي مع الشيخ سنين ولم أصل إلى شيء، وهذا من النفس تتعجَّل الظهور، وتتعجَّل المشيخة، وتتعجَّل أن يكون لك كيان في المجتمع، وهذا غير مراد الله، وأنت تريد مرادك. لكن المريد الصادق يطلب مراد الله فيه لا مراده، ماذا تريد حتى إذا أوقفك الله بين يديه؟ أريد أن لا أريد:

وكن عبداً لنا والعبد يرضى

بما تقضي الموالي من مرادٍ

هل يوجد عبد يكون له طلبات أو يرى لنفسه حقوقاً مع سيِّده؟ لا، وسيِّده لو حاسبه لن يقدر على هذا الحساب، هل يستطيع أحدٌ أن يُحاسَب على نَفَسٍ واحد من النعم الإلهية الظاهرة والباطنة؟!.

الإمام الجنيد رضِي الله عنه وأرضاه والذي يُضرب به المثل، كان يصلي في الليلة ثلاثمائة ركعة، وكان يصوم ولا يفطر إلا كل أربعين يومٍ مرة على تمرة، وبعد انتقاله إلى جوار الله رآه أحد أصدقائه في المنام وقال له: ما فعل الله بك؟ قال: ((حاسبونا فدقَّقوا ثم مَنُّوا فاعتقوا!!))، فلن يصلح أحد بالحساب ولكن بفضل الله عزَّ وجلَّ، قال صلى الله عليه وسلَّم: (لَا يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ، وَفَضْلٍ)[8].

فكونك تريد أن يكون لك مقاماً، ويكون لك شهوداً، ولك كذا، فأنت ترى نفسك أنك قدمتَ شيئاً، وهل عملت شيئاً بدون حول الله وطول وتوفيق الله؟! وأنت كونك تطلب شيئاً فإنك لا ترى فضل الله عليك، ولا إنعام الله عليك، وأنت في نفس الوقت لا تعرف ما الأفضل وما الأحسن لك عند الله عزَّ وجلَّ، فالأفضل لك والأحسن لك هو المقام الأكمل وهو مقام الحضرة المحمدية، ومَن على قدمه من أهل الوراثة المحمدية، وهو مقام العبدية: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ) (1الكهف)، ومن هذا العبد؟ ظاهره خلق، وباطنه حق، لا يرى الخلق من باطنه قليلاً ولا كثيراً، مثله مثلهم، وهذا الإعجاز.

ولذلك الناس دائماً تميل للمجاذيب ويريدون أن يشاهدوهم، لكن أهل مقام العبودية لا يرى ما بهم إلا أهل الخصوصية بكشف العطاء من ربِّ البرية عزَّ وجلَّ، فيكشف لهم عن خصوصية هؤلاء القوم لأنه مثلهم مثل الناس، لذلك الأفضل لك والأحسن لك التسليم، ولذلك قالوا: ((من فاز بالتسليم فاز بكمال النعيم)).

نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يجعلنا من المُسلمِّين لحضرته، والمُسلمِّين لحبيبه ومصطفاه، والمُسلمِّين للصالحين من عباد الله، وأن يجعل أحوالنا وأفعالنا وأقوالنا وأعمالنا وأموالنا وأبناءنا وزوجاتنا كلها في رضاه، وأن يجعلنا في كل أنفاسنا لا نتوجه إلا إلى الله، ولا نطلب منه عزَّ وجلَّ إلا رضاه، ولا نبغي في الدارين شيئاً سواه، وأن يكُفَّ أبصارنا وأسماعنا عن النظر إلى عداه، وأن يكلأنا بعنايته، ويرعانا برعايته، ويغنينا بفضله وجوده وكرمه ظاهراً وباطناً عما سواه.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

*********************

 

[1] الترمذى – غريب – وابن سعد، والبغوى، وابن منده، والباوردى، والطبرانى، والضياء، وابن عساكر عن بلال بن يسار بن زيد مولى النبى – صلى الله عليه وسلم – عن أبيه عن جده قال: (من قال أستغفر الله الذى لا إله إلا هو الحى القيوم وأتوب إليه غفر له وإن كان قد فر من الزحف)، ,ابن عساكر عن أنس، والضياء عن ابن مسعود وجابر موقوفًا عليهما.

[2] الْخياري في فوائده عن حذيفةَ رضَي اللَّهُ عنهُ: (مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أَلْفَ مَرَّةٍ فَقَدِ اشْتَرَى نَفْسَهُ مِنَ اللَّهِ)، (جامع الأحاديث والمراسيل للسيوطي – من الجامع الصغير وزوائده)، والفتح الكبير لابن حجر.

[3] أخرجه أبو نعيم في الحلية وذكره أحمد عن أنس رضي الله عنه، وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: (من تعلم علماً فعمل به كان حقاً على الله أن يعلمه ما لم يكن يعلم).

[4] البخاري ومسند أحمد عن أبي هريرة رضِي الله عنه

[5] صحيح مسلم ومسند أحمد عن الأغر المزني رضِي الله عنه

[6] البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضِي الله عنه

[7] البخاري ومسلم عن أنس رضِي الله عنه

[8] مسند أحمد عن أبي هريرة رضِي الله عنه

……………………………………………………………………

 المعادي – الجمعة 21من ذو القعدة 1436هـ 4/9/2015م
مجلس الجمعة قبل صلاة العصر بمقر الجمعية

Fawzyabuzeid - Copyright 2023. Designed by Fawzyabuzeid