Sermon Details
13 نوفمبر 2015
خطبة الجمعة_ثناء الله على المهاجرين و الأنصار و الأخيار
إقرأ الموضوع
…………………………………………………………………………..
الحمد لله ربِّ العالمين، أنزل القرآن تبياناً لكل شيء وهُدىً ورحمةً للمؤمنين، ودستوراً قويماً ينهل منه المسلمون والمؤمنون إلى يوم الدين، فينجوا بالتمسك به من الفتن، وتنصلح بالعمل بأوامره جميع أحوالهم، وتكون الحياة بينهم كما قال فيها ربُّهم: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) (97النحل).
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، نزَّل الذكر الحكيم تعليماً للمؤمنين، وتهذيباً لنفوس المسلمين، وتقويماً لأخلاق كل المؤمنين بربِّ العالمين، حتى يتحقق في مجتمعهم الحياة الهانئة الطيبة، وينالون في أخراهم رضا مولاهم وجنة المأوى عنده عزَّ وجلَّ.
وأشهد أن سيدنا محمداً عَبْدُ الله ورسولُه، جعله الله عزَّ وجلَّ مبيِّناً عن الله، وصدَّق على كلامه وقال في شأنه في كتاب الله: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) (3، 4النجم).
اللهم صلِّ وسلِّمْ وباركْ على سيدنا محمد، الذي بلغ من حرصه أن طلب من ربه أن يطلعه على أحوال هذه الأمة إلى يوم الدين، فقال واصفاً ما نحن فيه: (ألا إنها ستكون فتنٌ كقطع الليل المظلم، قيل: يا رسول الله وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله تعالى، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحُكم ما بينكم. وهو الذي لا تنقضي عجائبه، ولا تنتهي غرائبه، ولا يَخْلَقُ – أي: يبلى – على كثرة الرد، وهو الذي لم تنتهِ الجن إذ سمعته إذ قالوا: (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ) (1، 2الجن). من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه دعا إلى صراطٍ مستقيم، ومن تركه من جبارٍ قسمه الله عزَّ وجلَّ)[1].
صلِّ اللهم وسلِّم وبارك علي من كان خُلقه القرآن، ودعوته إلى الإستمساك بالقرآن، وشريعته نبعها كلها من القرآن، سيدنا محمد وآله – أهل القرآن، وأهل الله وخاصته – وأصحابه الذين جعلوا القرآن في كل أحوالهم مهيمناً على شئونهم، ومن تبعهم على هذا الهُدى إلى يوم الدين، وعلينا معهم أجمعين، آمين .. آمين، يا ربَّ العالمين.
أيها الأحبة جماعة المؤمنين: أعلمنا الله عزَّ وجلَّ – فيما استمعنا إليه من آيات الله قبل الصلاة – أن لا نأخذ مصادر علمنا عمن سبقنا، ولا ما نحتاج إليه في حياتنا، إلا من كتاب الله عزَّ وجلَّ، إن أردنا السعادة والفلاح.
كتب الله عزَّ وجلَّ في آية واحدة مناقب المهاجرين – الذين هاجروا وتركوا ديارهم وأموالهم لينصروا خير رسول أرسله الله عزَّ وجلَّ للعالمين، حتى نعلم علم اليقين بأن هؤلاء لهم مكانةٌ عند الله، ومنزلةٌ كريمةُ عند حبيب الله ومصطفاه، فلا يجب أن نذكرهم إلا بخيرٍ، كما ذكرهم الله جلَّ في علاه: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ) – ماذا يريدون؟ – (يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ الله وَرِضْوَانًا) – وماذا يعملون؟ – (وَيَنْصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ) – وبِمَ يصفهم ربُّ العباد؟ – (أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (8الحشر).
هل يجوز لمسلمٍ بعد ذلك – أتى في هذا العصر أو قبله – أن يخوض فيمن وصفهم الله عزَّ وجلَّ بأنهم (هُمُ الصَّادِقُونَ)؟!!، هل ينبغي لمؤمنٍ أن يحرك لسانه بقدحٍ في أحدهم أو ذمٍّ في شأن أى أمر من أمورهم بعد كلام ربِّ العالمين؟!!. لا يجوز ذلك أيها الأحبة لأى مسلمٍ تقيٍّ نقيٍّ، يعمل بكتاب الله، ويراقب الله جلَّ وعلا في كل قولٍ يتحدث به بين خلق الله.
ثم وصف الله عزَّ وجلَّ الأنصار في آيةٍ واحدةٍ!!، جملة مفيدة تامَّة الأركان، فيها كل الأعمال التي التي تُوجب محبة الرحمن ومحبة النبي العدنان، حتى كان صلى الله عليه وسلَّم يقول: (اللهم بارك في الأنصار، وفي أولاد الأنصار، وفي أولاد أولاد الأنصار – إلى يوم القرار)[2].
بعد كلام الواحد القهار، وبعد دعاء النبي المختار، هل ينبغي لرجلٍ – أياً كان مكانه وأياً كان علمه – أن يخوض في واحد من الأنصار؟!!، الذين نصروا الحبيب المختار وشريعة الله عزَّ وجلَّ؟ وجاهدوا في رفعتها حتى بلغت كافة الأقطار؟!!!.
هؤلاء الذين أقاموا مجتمعاً فاضلاً فريد، نموذجاً مثالياً ينبغي أن تسير على هداه كل المجتمعات ليكونوا في أصَّح الأحوال، وفي أصدق الأقوال والأعمال، يقول في شأنهم ربُّ العزَّة عزَّ وجلَّ: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالايمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (9الحشر).
أُسُس إصلاح أى مجتمعٍ من المجتمعات حتى يعيش أهله جميعاً بلا خلافٍ ولا منازعات، ولا قضايا في المحاكم، ولا أي أمرٍ من الأمور التي تحدث في الدنيا فتُعكِّر الصفو بين الأحبة، وتقطع خطوط الوفاق بين الجيران، وتُقطِّع الأرحام بين ذوي الأرحام، جعلها الله عزَّ وجلَّ في هذه القواعد الإلهية التي طبقَّها هؤلاء الأنصار، فكانوا مجتمعاً فاضلاً شهد له الله عزَّ وجلَّ ورسوله صلى الله عليه وسلَّم.
ونحن جميعاً في هذه الأيام التي كثُرت فيها بين المسلمين المنازعات والمشاحنات والتقاتل والخصام، وبرزت الخلافات على السطح، وأصبح المؤمن يقاتل أخاه، ويلفت وجهه عنه حتى لا يلقي عليه السلام، والسلام لله عزَّ وجلَّ، ولابد من إلقاء السلام، حتى قال نبيُّ الإسلام: (ألقِّ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ينشرح صدرك للإسلام)[3].
أصبحت المجالس – مجالس المؤمنين – تقع في مخالفةٍ فادحةٍ نهى عنها ربُّ العالمين!! – مجالس المؤمنين التي ينبغي أن تقوم على ذكر الله، وعلى تلاوة وتفصيل وفقه كتاب الله، وعلى حديث حبيب الله ومصطفاه، وعلى التعاون على البرِّ والتقوى، وعلى حلِّ خلافات المسلمين، وعلى الصُلح بين المتخاصمين – أصبحت معظم مجالس المسلمين تدور على الغيبة والنميمة، والسبِّ والقذف والشتم، وقيل وقال، وقد نهى عنها الله!!، حتى أصبحوا موسومين بالخائضين الذين يخوضون في أعراض إخوانهم المؤمنين بغير جُرمٍ عملوه، ولا أمرٍ شنيعٍ شاهدوه، مع أن الله يحذِّر الخائضين بأنهم يوم القيامة كما يقول في شأنهم: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ. قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) (42، 43المدثر)، وهذا أول فوج، والفوج الثاني: (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) (45المدثر).
برأ الله عزَّ وجلَّ أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلَّم من المهاجرين والأنصار من كل ذلك، فقد صاروا إخوةً متآلفين، متوادين متحابين، متوادين متباذلين في الله عزَّ وجلَّ في كلِّ وقتٍ وحين.
يا معاشر المؤمنين، يا من أصبحت محاكمكم تمتلأ بما لا يُعدُّ من الخصومات والنزاعات، وبينها ومنها بين الأخ وأخيه لأمه وأبيه، بل بعضها بين الإبن وأبيه، وبين الجار وجاره، هؤلاء القوم الذين وصفهم الله عيَّن أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه عندما تولَّى خلافة المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم – عيَّن للدولة كلها قاضياً واحداً هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان مجلس القضاء في بيت الله، وليس معه كَتَبَةٌ ولا حُجَّاب، ولا موضع لملفات القضايا ولا محامين، ولا أى شيءٍ مما نراه الآن في عالم المسلمين، وكان الأجر يُصرف كل عام، وبعد إنقضاء عامٍ في وظيفته كقاضي لجميع المسلمين بجميع درجاتهم وبجميع درجات التقاضي، لا يُوجد إستئنافٍ ولا غيره ولا غيره، قاضٍ واحدٍ هو عمر رضي الله عنه.
استدعاه الخليفة ليُعطه راتبه، فقال: لا حاجة لي بالراتب يا خليفة رسول الله، قال: ولِمَ؟ قال: كيف آخذ راتباً على شيءٍ لم أفعله؟!!، قال: وضِّح، قال: لم تُعرض عليَّ قضيةٌ واحدة طوال هذا العام – عامٌ كاملٌ في دولة واسعة مترامية الأطراف لم يحدث فيها نزاعٌ واحد قطّ، ولا قضية تنتهي إلى القاضي قطّ – فقال: وكيف ذلك؟!!، فقال: (إن قوماً آمنوا بربِّهم، وصدَّقوا بنبيِّهم، وجعلوا كتاب الله حكماً بينهم، لا يحتاجون إلى قاضٍ يحكم بينهم).
انظروا إلى هؤلاء القوم!!، ما الذي بلغَّهم ذلك؟!! وأوصلهم إلى ذلك؟!!.
ما وصفهم به الله عزَّ وجلَّ!. الأمر الأول: (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) (9الحشر). يحبُّون رسول الله صلى الله عليه وسلَّم حبًّا أعظم وأغلى من حبِّهم لأنفسهم وأولادهم وكل ما لهم، ولذلك يسارعون في تنفيذ أمره، والإنتهاء عما نهى عنه، لأن الله عزَّ وجلَّ وعد الذين يطيعونه بأن الله يهديهم لأصلح أحوالهم ويُصلح بالهم، قال الله عزَّ وجلَّ في شأن من يطع الرسول صلى الله عليه وسلَّم: (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) (54النور). إذا أطعناه نهتدي إلى أنفع الأحوال في دنيانا، وأصلح الأمور التي تُنيلنا السعادة في أُخرانا.
أما الذين يخالفون هديه، ويتخلون عن سنته، ولا يعملون بشريعته، فلهم إنذارٌ شديد الوعيد من الحميد المجيد عزَّ وجلَّ، يقول لهم وفيهم الله: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (63النور). وهذا الذي أصاب كثيراً من المسلمين الآن!!، الفتن الكثيرة التي ظهرت بينهم، والعذاب الأليم من الأمراض والأوجاع والمشاكل والنزاعات وعدم برِّ الأولاد، ومشاكسة الزوجات، وغيرها من الأمور الحياتية التي جعلت حياة المسلمين كأنها شقاء وعناء، مع أن الله وعدهم إذا أحسنوا العمل أن تكون حياتهم كلها يُسرٌ ورخاءٌ وهناءٌ!!، يقول فيها عزَّ وجلَّ في قرآنه الكريم: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) – وهذا في الدنيا، أما في الآخرة – (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (97النحل).
فوعد الله عزَّ وجلَّ بكل من يعمل بشرع الله ويقتفي سنة حبيب الله ومصطفاه أن يجعل حياته وأولاده في هناءٍ وسرورٍ إلى يوم الدين، وإذا كان ذلك في المجتمع، كان المجتمع كله في هناءٍ ومسرات وخيرات وبركات، ولا يحدث بينهم أمرٌ يُخشى عُقباه، لأنهم نفَّذوا القاعدة الإلهية التي ذكرها الله في كتاب الله: (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ).
أما الأمر الثاني الهام، الذي بسببه إصلاح كل الأنام: (وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا) (9الحشر). طهَّر الله قلوبهم من الحقد والحسد، والغيظ والكُره والبُغض، وجعلهم كما قال في شأنهم: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) (47الحجر).
بالله عليك يا أخي، فكِّر وقدِّر، تصور أن هذا المجتمع خلت صدور أهله وساكنيه مما ذكرناه من هذه الأمراض والأعراض، كيف يكون حال أهله؟!!. المحبَّة والمودَّة، والصلة والإيثار، وحب الخير للجميع، والرغبة في نفع الجميع، يسعون جميعاً لنفع بعضهم ولإصلاح أحوالهم، ويعملون بقول نبيِّهم صلى الله عليه وسلَّم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)[4]. أو كما قال: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة).
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، الذي أكرمنا بالإيمان وجعلنا من عباده المؤمنين، لا بعملٍ عملناه، ولا بشيءٍ قدَّمناه، ولكنه بفضله وكرمه ومنِّه اختار لنا الإيمان وكتبه في قلوبنا، وقال لنا مبيناً لنا حتى نعرف فضله عزَّ وجلَّ علينا: (حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الايمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ) (7الحجرات).
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إذا أحب عبداً وفقه لأفضل الأعمال في أفضل الأوقات، ورزقه العمل بشرعه الشريف، واتباع حبيبه صلى الله عليه وسلَّم إلى يوم لقاء الله. وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُ الله ورسولُه، سرُّ هدايتنا في الدنيا، وسبب سعادتنا في الدار الآخرة. اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وارزقنا هداه، ووفقنا أجمعين للعمل بشرعه واتباع سنته يا ألله، واحشرنا في زمرته يوم الدين، وارزقنا شفاعته واجعلنا من رفقائه في جنة النعيم أجمعين، آمين .. آمين يا ربَّ العالمين.
أيها الأحبة جماعة المؤمنين:
نحن في أمَّس الحاجة إلى القواعد الإلهية التي هدى الله إليها الأنصار والمهاجرين لتنصلح أحوالنا، فقد ساءت الأمور بيننا في الدنيا إلى أقصى حدّ، وأصبح أغلبنا شاكين ضاجرين، يشكون من سوء الأحوال، يشكون من ضيق ذات اليد، يشكون من الأمراض، يشكون من قلَّة ذوي الثقة، يشكون من قطيعة الأرحام، الكل يشكون!!، ومجتمع المؤمنين ينبغي أن يكونوا كلهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلَّم في شأنهم: (ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى عُضوٌ منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى)[5]. كلهم كرجلٍ واحد، إذا أحسَّ واحد منهم بفاقة، يجد المساعدة من الأثرياء والوجهاء بغير طلب.
ذهب رجلٌ من صحابة الحبيب – أصابته فاقة – إلى رجلٍ – له حبيبٌ وقريب – وشكى له حاجته وطلب مساعدته، وإذا بالرجل يبكي، فقال له: لم تبكي؟ قال: لأنني لم أشعر بك حتى جئت وسألتني، لأن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال: (لا يؤمن أحدكم وجاره جائع ولم يشعر به)[6].
يعني لا ينتظر الجائع يقف على بابه ويسأله، ولكن ينبغي أن يتحسَّس إخوانه المؤمنين ويراقب الجائعين والفقراء والمساكين، ويشملهم بعطفه ويُعزِّهم فلا يجعلهم يقفون ويتعرضون له ولغيره سائلين. بل إن الفقراء منهم كانوا كما قال ربُّ العزِّة: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (9الحشر). يؤثر على نفسه إخوانه الفقراء.
جاء إلى رجلٍ منهم في يوم عيد الأضحى رأس كبشٍ، فجلس مع زوجه وقال: يا أم فلان، إني أرى أن أخي فلان ـ أخوه في الله، وليس من أبيه وأمه ـ إني أرى أن أخي فلانٌ أحوج إلى هذه الرأس مني، قالت: خذها وأعطها له، فذهب وأعطاها له. وجلس الثاني مع زوجه وقال لها: يا أم فلان إني أرى أن أخي فلان أحوج إلى هذه الرأس مني، قالت: خذها وأعطها له، فدارت الرأس على سبعة بيوت، ثم رجعت إلى الأول مرةً أُخرى، ولذلك قال الله: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ) (9الحشر).
وكان الله عزَّ وجلَّ يعاملهم من أجل ذلك بالفضل الكبير!!، جيئ للسيدة عائشة رضي الله عنها بعطاء من بيت مال المسلمين، فأحضرت الصرر وقالت للخادمة: إعط هذا لفلان، وإعط هذا لبيت فلان، فلما نفذ المال قالت الخادمة: يا أماه انسيت أنكِ صائمة اليوم، لِمَ لَمْ تدخري لنا حتى ولو درهماً نشتري به طعام الإفطار؟، قالت: لا تُعنِّفيني لو ذكَّرتيني لفعلت، ولم تنتهي من الكلام إلا والباب يدق، وإذا برجلٍ جاء بشاةٍ مشوية هدية لأم المؤمنين، قالت: أنظري ماذا فعل معنا الله؟!!.
هكذا كانوا أيها الأحبة جماعة المؤمنين، كانوا يحبون بعضهم في الله، وكانوا يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وكانوا يتعاونون على البرِّ والتقوى، وصدورهم خالية لإخوانهم من جميع الأحقاد والأحساد والكُره والغل، فكانوا مجتمعاً تقيًّا نقيًّا!!، نسأل الله أن يجعل مجتمعاتنا كلها شبيهة لهم الآن.
اللهم أصلح أحوالنا، وأحوال أولادنا وبناتنا وزوجاتنا، وأحوال إخواننا المسلمين أجمعين، حكاماً ومحكومين، رؤساء ومرءوسين.
اللهم انزع الغلَّ والكُره والحقد من نفوس عبادك المؤمنين، وازرع فيها الحُبَّ والود والألفة بينهم في كل وقتٍ وحين.
اللهم أرنارنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل زاهقاً وهالكاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم حبِّب إلينا فعل الخيرات، واحفظنا بحفظك من جميع المعاصي والفتن والمنكرات، ووفقنا لذكرك وشكرك وحُسن عبادتك في جميع الأوقات.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وللمسلمين والمسلمات، وللمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميعٌ قريبٌ مجيب الدعوات، يا ربَّ العالمين.
اللهم احفظ بحفظك مصر وأهلها من مكر الماكرين؛ من اليهود وأهل أمريكا وانجلترا ومن معهم أجمعين، واجعل أهل مصر منصورين في معاركهم يا خير الناصرين.
اللهم اجعل جند مصر هم الذين يطهرون أرض فلسطين، ويردون بيت المقدس لأهله سالماً غانماً يا ربَّ العالمين، واجعل على أيديهم القضاء على اليهود، واجعل أرض فلسطين مقبرةً لهم أجمعين.
اللهم تولَّنا بولايتك، وراقبنا بعنايتك، واجعلنا من أهل ودِّك وكرمك وهدايتك، واحفظنا بحفظك في كل وقتٍ وحين، آمين .. آمين، يا ربَّ العالمين.
عباد الله اتقوا الله: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالاحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (90النحل).
اذكروا الله يذكركم، واستغفروه يغفر لكم، واشكروه على نعمه يزدكم، وأقم الصلاة.
***************
[1] روى الترمذي في سننه عن علىٍّ رضي الله عنه بلفظ: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ألا إنها ستكون فتنة فقلت ما المخرج منها يا رسول الله قال كتاب الله فيه نبأ ما كان قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم وهو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم هو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم)
[2] روى أبو يعلى وابن أبي شيبة والطبري وأبو نعيم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الخدرى رضي الله عنه قَال: (لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُمُ الْقَالَةُ، حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: لَقِيَ وَاللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ قَوْمَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الأَنْصَارِ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ، قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأَنْصَارِ شَيْءٌ، قَالَ: فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟”، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَنَا إِلا مِنْ قَوْمِي، قَالَ: “فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي الْحَظِيرَةِ”، قَالَ: فَخَرَجَ سَعْدٌ فَجَمَعَ الأَنْصَارَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ، قَالَ: فَجَاءَهُ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا، وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدَّهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ: قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، ثُمَّ قَالَ: “يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَمَوْجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ؟، أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالَّا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ، وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ؟”، قَالُوا: بَلَى، لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ، فَقَالَ: “أَلا تُجِيبُونِي يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ؟” ، قَالُوا: وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ، قَالَ: ” أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَصَدَقْتُمْ وَلَصُدِّقْتُمْ؛ أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، وَمَخْذُولا فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَعَائِلا فَآسَيْنَاكَ، وَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلامِكُمْ؟!، أَفَلا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاءِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُوا بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى رِحَالِكُمْ؟، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأَنْصَارَ, وَأَبْنَاءَ الأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ” ، قَالَ: فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ، وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقُوا.
[3] في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سُئل: أي الإسلام خير؟ قال: (تُطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)، وروى أحمد وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه: ( يا أبا هريرة افش السلام على مَنْ عرفت، ومن لم تعرف، ينشرح صدرك للإسلام).
[4] متفق عليه عن أنس رضي الله عنه.
[5] البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.
[6] رواه الحاكم عن أنس رضي الله عنه.
………………………………………………………………………..